المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مولاي التهامي بهطاط Headshot

"التجربة السويدية"..

تم النشر: تم التحديث:

ككل مرة يتعلق الأمر بتطور له صلة بقضية الوحدة الترابية، تعم حالة من القلق الشارع المغربي جراء التحركات المفاجئة، ردا على موقف لم يأت من أدغال إفريقيا ولا من مجاهل أمريكا الجنوبية بل من أقصى شمال أوروبا.
لا حاجة ولا فائدة في التذكير بفصول هذا "الحدث"، لكن لابد من التوقف عند بعض الملاحظات:
أولى هذه الملاحظات تتعلق بما يعرف بـ"الديبلوماسية الحزبية".
فقد تم استنفار الأحزاب السياسية، فأصدرت أماناتها العامة ومكاتبها السياسية بلاغات اجترت فيها نفس العبارات المحفوظة في الأرشيف.
وقد اتجهت الأنظار تحديدا إلى أحزاب اليسار التي تم التعويل عليها لثني يساريي السويد عن الخطوة الخطيرة التي ستخطوها حكومتهم.
لا أدري ما الذي يمكن أن يقوله السيد لشكر لـ"إخوانه" السويديين، وهو الذي نجح فقط في مهمتين اثنتين: تشتيت ما تبقى من حزب "القوات الشعبية، وتوفير مظلة حزبية لبعض المشبوهين والمتابعين في قضايا فساد كبرى.
هو درس يتكرر للمرة الألف، يعلمنا أنه بالنسبة للدول التي لها مشاكل "دولية"، لا مجال للتفريق بين الشؤون الداخلية والشؤون الخارجية، فكل الملفات تتقاطع في نهاية المطاف.. والكلام هنا موجه للجهات التي عبثت في هياكل الاتحاد الاشتراكي وحولته إلى ما نراه اليوم، أي مجرد "قبيلة" من "القبائل" الحزبية التي لم تعد قادرة على الوقوف حتى في وجه أصغر حزب إداري.
لقد كان على الأيادي الخفية أن تستحضر أن أكبر سند للبوليساريو في العالم هو اليسار بمختلف ألوانه، وبالتالي كان المطلوب دعم الاتحاد وتقويته ليكون صوته حاضرا ومسموعا في المحافل الدولية، وخاصة الأممية الاشتراكية التي ترك فيها السيد لشكر بصمته مؤخرا حينما سعى إلى الإطاحة بالشقروني من منصب نائب الرئيس ليضيفه إلى بقية المهام التي يضطلع بها.
الاتحاد كان بالإمكان أن يرتقي إلى مستوى الحدث، لو أنه انتدب مثلا الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي للقيام بمهمة الحديث من الأطراف السويدية، واستغلال رصيده النضالي وتاريخه، لكن منطق الهيمنة والاستحواذ وإلغاء الآخر لا يمكن أن يسمح بخطوة من هذا النوع..
ولا أدري هل نلوم الاتحاديين على التفريط في رأسمالهم المعنوي، أم نلوم صناع القرار الديبلوماسي عندنا الذين ساهموا في الإعدام المعنوي للأستاذ اليوسفي الذي كان بالإمكان الاستعانة به كسفير متجول مكلف بملف الصحراء، وبمخاطبة أحزاب اليسار، التي ستكون لها حتما صولة في الكثير من الدول الأوروبية.. وعلى رأسها بريطانيا..
أليس غريبا أن أمريكا، القوة الأولى في العالم، اقتصاديا وديبلوماسيا وعسكريا، تستعين برؤسائها السابقين بغض النظر عن انتمائهم الحزبي في مهام دقيقة ومعقدة؟ ألا يعتبر كارتر سفيرا فوق العادة، رغم أنه كان رئيسا لأمريكا قبل ولادة أكثر من نصف المغاربة، وقد غادر البيت الأبيض تحت أضواء فضيحة "إيران غيت"؟
ولم يتوقف الأمر عند الاتحاد، بل إن حزب الاستقلال يفترض أن يساهم في موسم الحج إلى استكهولم، ومن المؤكد أن السيد شباط لن ينيب عنه غيره في هذه المهمة "الوطنية الجسيمة"، ليرتسم السؤال: كيف لشخص اتهمته وزارة الداخلية صراحة بابتزاز الدولة، أن يكلف بمهمة الدفاع عن مصالح نفس الدولة أمام دولة أخرى؟
هل هناك عبث أكبر من هذا؟
بل حتى السيد مزوار وزير الخارجية، سيكون من الصعب عليه التخلي عن قبعته الحزبية في لقاءاته مع الأطراف السويدية المختصة.
فالرجل إضافة إلى منصبه الديبلوماسي الرفيع، يرأس حزب التجمع الشريك في الائتلاف الحكومي الذي صنع الحدث في الأسابيع القليلة الماضية عبر إخلاله بالتزاماته مع شركائه، بل سلم بتعليمات مباشرة من "زعيمه" العديد من الرئاسات الاستراتيجية للمعارضة، وبذل جهده في أكثر من جهة وجماعة للإطاحة بحلفائه..
فهل سيحترم السويديون وزيرا هذه "مبادئه"؟
إذا كان السيد مزوار يظن أن السفارات الأجنبية في الرباط -وضمنها السفارة السويدية طبعا- منشغلة بتدبيج تقارير حول أحوال الطقس في المنتجعات السياحية، وأسعار الإقامة في الفنادق المصنفة والرياضات التقليدية، فما عليه سوى أن يعيد قراءة ما تم تسريبه عبر موقع ويكيليكس ليتأكد من أن الممثليات الديبلوماسية الأجنبية تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.. وهل نلوم الأجهزة السويدية إذا هي صدّرت بطاقة المعلومات عن وزير خارجيتنا باعتباره "الشخص الذي غدر بحلفائه"؟
وهذا يجرنا إلى الملاحظة الثانية.
ذلك أن المغرب الذي وضع بيضه كله في سلة مقترح الحكم الذاتي أو الجهوية الموسعة، غاب عن صناع القرار فيه، أن العالم ينظر إلى أفعالنا قبل ان يستمع إلى أقوالنا.
فمن يتحدث عن حكم ذاتي أو جهوية موسعة، يحيل تلقائيا على الانتخابات كآلية لتنزيل هذا المقترح على الأرض.
فهل ستجرى الانتخابات المؤدية إلى جهوية موسعة في الصحراء، والتي سيشارك فيها من باب الحتمية الانفصاليون، بنفس الطريقة التي جرت بها انتخابات 4 شتنبر؟ وهل ما جرى يشرف التجربة الديموقراطية ويعطي مصداقية للمقترح المغربي؟
بكل أسف، يظن البعض عندنا أن الشؤون الداخلية مفصولة تماما عن الشؤون الخارجية، ولهذا هل يستطيع اي ديبلوماسي مغربي أن يجيب على سؤال من نوع: كيف أمكن لمرشح فشل في الحصول على نتيجة محترمة في انتخابات بلدية ان يرأس جهة.. وليس أي جهة؟
الملاحظة الثالثة تتعلق بتنقلات أميناتو حيدر الخارجية التي أصبحت تثير الهواجس بل هناك تخوفات مشروعة من أن تنجح هذه "المواطنة" في خلق صداع مزمن للمغرب في أية رقعة جغرافية تحط فيها..
لا يهم هنا التذكير بالظروف التي "صنعت" فيها هذه "المناضلة" التي تحولت بفضل سوء التدبير من نكرة لا يعرفها أحد إلى "زعيمة"... لكن الأهم هو التساؤل عن محل حريم السياسة والأحزاب والمجتمع المدني من الإعراب؟
لماذا تعجز المناضلات القائدات الرائدات عن مواجهة هذه السيدة وإبطال ادعاءاتها في المحافل الدولية؟
الجواب ببساطة لأن الدفاع عن قضية الوحدة الترابية ليس له عائد إعلامي ولا معنوي، كما أنه يحتاج إلى التسلح بالبضاعة العلمية والأدوات السياسية المناسبة وهو ما تفقده "زعيمات الواجهة"، بينما قضايا المناصفة المتوهمة والإعدام والإجهاض وانتهاك حرمة رمضان والدعارة.. هي أقصر الطرق نحو الشهرة واستقطاب أضواء وسائل الإعلام الأجنبية قبل المحلية..
أما الملاحظة الأخيرة التي تتطلب التوقف عندها مرة أخرى، فتتمثل بارتفاع صوت الانفصاليين رغم أنهم في كل الأحوال أقلية، مقابل خفوت صوت الوحدويين رغم أنهم أغلبية.
لا أريد هنا الدخول في متاهات "كلامية" تساهم فقط في خلط الأوراق، بل أكتفي بطرح سؤال عميق حول ما إذا كانت الدولة المغربية قد أصبحت رهينة بين مطرقة الوحدويين وسندان الانفصاليين؟
وإذا ظهر المعنى فلا فائدة في التكرار كما يقال.. فالجميع يمارس الابتزاز بطريقة أو أخرى سواء عبر اقتصاد الريع والامتيازات غير المستحقة، أو عبر شعارات الانفصال، بل حتى إدريس البصري وزير الداخلية الأسبق حين دالت دولته وحشر في زاوية ضيقة، لم يجد أفضل من ورقة "الصحراء الغربية" للدفاع عن نفسه..
نتمنى ختاما أن تكون نهاية "تجربتنا السويدية" سعيدة كـ"التجربة الدانماركية".. رغم أنه لا مزوار المغربي هو عادل إمام المصري ولا مارغوت فالستروم السويدية هي نيكول سابا اللبنانية..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.