المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مولاي التهامي بهطاط Headshot

لماذا لا يثق المغاربة في أمنهم وقضائهم؟

تم النشر: تم التحديث:
MAWLAY
Mawlay

لم يمر أسبوعان على الملاحظة التي سجلتها حول قضية "فتاتي إنزكان" حتى جاء الخبر اليقين من السوق الأسبوعي لمنطقة بومية بإقليم ميدلت.

للتذكير، فقد كتبت ما يلي: "المنحى الذي أخذته هذه القضية ("تنورة إنزكان"..)، لا يصب بعيدا عن الفكرة التي.. ملخصها سعي بعض الجهات إلى رسم صورة سوداء عن تقاطب حاد يعرفه المجتمع بين تيارين متناقضين.

لكن هذه الواقعة حملت مرة أخرى رسالة إنذار مبكرة نتمنى ان يتلقفها صناع القرار قبل حدوث المحذور

فليست المرة الأولى التي يتدخل فيها "الشارع″ في مجال يفترض أنه محفوظ للدولة وأجهزتها ومؤسساتها... وكما قلت سابقا فإن الطبيعة تكره الفراغ، وحين لا تتحمل "الدولة" مسؤولياتها في هذا المجال فمن المؤكد أن "جهات ما" ستنوب عنها.. والأمر هنا ليس مرتبطاً بطول التنورة وقصرها.. بل إن الأمر مرتبط بردة الفعل غير المحسوبة والتلقائية التي قد تقود إليها بعض الاستفزازات المجانية.

أخطر شيء على وجود الدولة هو حين يتصدى المواطنون بأنفسهم لتطبيق "القانون".. لأن هذا أحد تجليات "الدولة الفاشلة".. وسيكون من منتهى الغباء الادعاء بأن الذين طاردوا فتاتي إنزكان من "الدواعش"، بل ستكون رسالة خاطئة جداً إذا تم تبني هذا الطرح "رسميا"...".

هذا التحليل اتضح صوابه بعدما وصل الأمر حد السحل والقتل، وهو أمر ليس جديداً. فمن يرتاد الأسواق الأسبوعية، خاصة منها تلك التي تباع فيها المواشي، يسمع قصصاً مشابهة للصوص تعرضوا للضرب المبرح وحتى القتل إن لم تغثهم سيقانهم في الوقت المناسب.

ولهذا لا ينبغي اختزال المسألة والاكتفاء بمحاولة إعطاء المثال لمنع تكرار مثل ما حدث.

فإجراءات سطحية من هذا النوع تعالج الأعراض فقط ولا تمس الأسباب الحقيقية للداء.

ففي قضية ميدليت- وهذا ليس دفاعا عن المعتدين ولا تبريراً لما قاموا به- تكمن المشكلة في أن كل كساب أو متسوق يعتبر نفسه ضحية محتملة لسرقة أو اعتداء، ولهذا ساهم الجميع في تأديب اللصوص.

هذه النقطة مردها ربما لما يسميه بعض المتحذلقين بـ "انعدام الإحساس بالأمن"، وهي حالة تساهم فيها الصحافة بمختلف تلاوينها حيث تنقل صورة عن المغرب كما لو كان "دولة فاشلة" يحكمها قطاع الطرق.

فمن يطالع ما تنشره الصحف الورقية والإلكترونية، بشكل يومي عن الذبح والتقطيع والاغتصاب يخيل إليه أن داعش الشرق لا تستحق كل شهرتها الدموية مقارنة مع ما يقوم به مجرمو المغرب.

كما أن غياب الشفافية وضعف التواصل سواء لدى القضاء أو اجهزة الأمن يزيد من ترسيخ هذا الشعور الذي يكون من تداعياته لجوء المواطن للدفاع عن نفسه أو عن غيره بقوة وعنف، قبل استنفاذ جميع الخيارات المتاحة.

فما الذي يمنع من تقديم إحصاءات شاملة، وإعطاء تفاصيل وافية عن الجرائم التي تحظى بمتابعة الرأي العام؟

لا أقصد هنا أرقاماً جافة عن عدد الاعتقالات والمتابعات.. ولا عن كم ونوع الأحكام الصادرة، بل لابد من اعتماد مقاربة تواصلية تبين للمواطن أن يد "الدولة" تطال جميع المجرمين أينما كانوا، وأن القضاء قادر على إنصاف الضحايا في "أجل معقول".

والغريب أنه حتى عندما حاول البعض في التلفزة استنساخ برامج "الجريمة" كما تقدمها قنوات أجنبية بحرفية عالية، سقط في تسويق الجريمة وتخويف الناس، فضلا عن توفير "مدرسة" لتكوين المجرمين، بما أن مقدمي هذه البرامج يركزون أكثر مما ينبغي على "الأخطاء" التي ارتكبها هذا المجرم أو ذاك وأدت إلى الإيقاع به.

ويمكن أن نضيف إلى هذا أيضا الإحساس العام بأن الأجهزة الأمنية والجهات القضائية لا تقوم بدورها على أكمل وجه.
فالمواطن هنا لا يريد ان يسمع مبررات.. بل يريد إنجازات على أرض الواقع..

وإذا كنا نريد فعلاً قطع الطريق على الممارسات التي شهدتها العديد من المدن المغربية مؤخراً وتراوحت بين التحرش والاعتداء بالضرب وحتى القتل، فلابد من بناء الثقة في الأمن والقضاء، عملياً وعلى الأرض وليس نظرياً عبر الشعارات.
وبناء الثقة يحتاج لأن يجد المواطن من يحميه ويأخذ له حقه في الوقت المناسب، وليس بعد التي واللتيا.

إن ما يشجع ويبرر لجوء الناس لأخذ حقوقهم بأيديهم ويمهد الطريق أمام ما أصبح يعرف بـ "قضاء الشارع"، هو طول حبال الأمن والقضاء.

ففي قضية ميدلت مثلاً، لو ذهب الشخصان اللذان تعرضا للسرقة إلى الجهات المختصة وقدما شكاية، كم كان الأمر سيتطلب من الوقت للتحقيق فيها؟ وهل كان الضحيتان ليستعيدا مبلغ الألفي درهم الذي أخذ منهما عنوة؟

هذا هو صلب الموضوع، وما عداه "شكليات" بالنسبة للمواطن، الذي يعرف أن حقه سيذهب هدراً إذا هو تعلق بحبال القانون، ولذلك يتخذ احتياطاته حتى لا يتعرض للاعتداء- كما يحدث بالنسبة لبعض التجار الذين يستأجرون "فتوات" لحمايتهم أو لإيصالهم إلى أسواق الجملة في ساعات مبكرة- وإذا حدث وتعرض لاعتداء فإذا استطاع أخذ حقه بيده أو بمساعدة زميل أو صديق أو فاعل خير، فإنه لن يعرج إطلاقا على أية جهة أمنية وقضائية.

صحيح أن هذه راوسب لتراكمات عرفتها عقود من غياب الصرامة في التعامل مع الجريمة، لكن ما نشاهده اليوم من مؤشرات يزيد الصورة ضبابية.

ففي الحملات الموسمية التي يتم تدشينها بين الفينة والأخرى يتم اعتقال الآلاف- وليس في هذا الرقم مبالغة- مع أننا نتحدث عن بلد لا يتعدى مجموع ساكنيه 35 مليون نسمة، وإذا استثنينا النساء والاطفال، فإن الحديث عن عشرات الآلاف من المجرمين هو مؤشر خطير على حالة الانفلات.

ولنأخذ على سبيل المثال الأرقام المعلن عنها مؤخراً، حيث تم في ظرف 35 يوماً فقط، اعتقال 26 ألفاً و890 مشتبهاً فيه في حالة تلبس بارتكاب أفعال إجرامية، و13 ألفاً و698 كانوا يشكلون موضوع مذكرات بحث لتورطهم في ارتكاب جنايات خطيرة من قبيل السرقات المشددة، وجرائم الاغتصاب، والقتل العمد والاختطاف والاحتجاز، بينما تم توقيف 370 شخصاً لتورطهم في قضايا الإتجار بالمخدرات، و3265 شخصاً تم توقيفهم في إطار العمليات الأمنية المنجزة في محيط المؤسسات التعليمية.

والحصيلة أكثر من 44 ألف مجرم في وقت قياسي، رغم أن المغرب لا يعيش تحت ظل حالة الطوارئ.

لا أدري كيف يمكن قراءة هذه الأرقام، التي يمكن تفكيكها كما يلي حوالي 1257 عملية اعتقال في اليوم، أي أكثر من 52 في الساعة، وهذه أرقام قياسية، لأنها توحي بأن الجريمة أصبحت رياضة وطنية بامتياز.

فنحن لا نتحدث عن دولة سكانها بمئات الملايين ولا عن دولة بها غابات "أمازون" ومناطق معزولة يصعب الوصول إليها، وتحكمها مافيات أو جماعات مسلحة.. بل نتحدث عن بلد محدود جغرافياً وديموغرافياً، ومع ذلك اعتقلت شرطته حوالي 27 ألفا من مواطنيه متلبسين بالجرم المشهود، وأكثر من 13 ألف مبحوث عنه في جرائم خطيرة.. وكل ذلك في أقل من 35 يوماً (13 منها وقعت في رمضان).

فهل نلوم المواطن العادي حين يفهم من هذه الأرقام أنه إذا توفرت الإرادة، فإنه بالإمكان تطهير المغرب من مجرميه في بضعة اسابيع؟

أما الوجه الآخر لهذه الإشكالية، وهو ما يبرر ربما استفحال أجواء عدم الثقة، فيتمثل في التعامل القضائي مع جرائم الاعتداء على الأموال والأجساد والأرواح.

هنا أيضاً المواطن لا تهمه المساطر والإجراءات، بل يهمه في المقام الأول العقاب الرادع والناجز.

أكثر من مرة، نشرت الصحف الوطنية تظلمات مواطنين تعرضوا لاعتداءات من نوع ما، وتم تمتيع المعتدين عليهم بالسراح المؤقت الذي قد ينتهي إلى حبس مع وقت التنفيذ.. أو إلى براءة.. لم لا؟

وهذا طبعاً دون أن نتوقف عند طول أجل التقاضي الذي قد يصل إلى سنوات، مع ما يمكن أن يتخلل ذلك من "مفاجآت".. تصب كلها في تعزيز مظاهر فقدان الثقة.

ومن التناقضات المغربية المعبرة في هذا السياق، أن هناك محاكم مازالت تصدر أحكاماً بالإعدام في قضايا جنائية خطيرة، رغم يقينها بأنها لن تطبق لا حالاً ولا مستقبلاً..

وأنا أرصد هنا وضعاً قائماً وواقعاً يتحدث عن نفسه في الشوارع والمقاهي، ولا يحتاج إلى إنجاز دراسات أو استطلاعات رأي، وهذا في اعتقادي هو لب الإشكالية، الذي إذا لم تتم معالجته فلن تتوقف مظاهر "قضاء الشارع"، لأن "المحاكمات الشعبية" التي من هذا النوع، لا تخضع لا لتنسيق ولا لقوانين ولا لضوابط، بل هي بنت لحظتها، وهي رد فعل تلقائي يرى فيه المواطن نفسه تلقائياً في صورة الضحية المعتدى عليه، فيفجر كل الغضب الذي يسكنه على المعتدي ولو كان مجرد لص صغير هو نفسه ضحية للمجتمع ولسياسات الدولة غير الرشيدة.

إن الاعتقاد بأن متابعة بعض العينات في فاس وإنزكان وميدلت سيضع حداً لـ"عدالة الشارع"، هو رهان محكوم عليه بالفشل المسبق، لأن القضاء على ظاهرة اجتماعية يتطلب القضاء على أسبابها، وليس فقط التغطية على أعراضها الخارجية.

وأحد أبرز هذه الأسباب هو تراجع سلطة "الدولة" (بمفهومها المغربي) في الشارع.. فاليوم بإمكان أي منحرف أن يرتكب ما شاء من الجرائم، وهو على يقين أنه حتى في حال متابعته، فإن جيشاً من الحقوقيين والفاعلين الجمعويين قد يحولونه إلى ضحية.. وحتى إذا أدين فإن زنزانته ستكون أفضل من فندق غير مصنف في حي شعبي.. أما إذا حكم عليه بالإعدام، فإن جيشاً من المناضلين العاطلين لتوفير كل أسباب الراحة.. لأن هذا ما يهمهم في المقام الأول، وليذهب الضحايا وأهلهم إلى الجحيم.

اهتزاز صورة "الدولة" لم يأت فجأة، بل كانت له مقدمات تراكمت على مدى سنوات، حيث مثل شغب الملاعب مثلا لحظة كاشفة للعجز، قبل أن يتطور الأمر إلى شيء أخطر من قبيل الهجوم على مركز "مول آنفا بلاس" في منطقة عين الذئاب-الراقية- بالدار البيضاء مرتين في أقل من أسبوعين من طرف عشرات المراهقين.. الذين عادوا إلى قواعدهم سالمين.

إن هذه المشاهد التي قد يعتبرها البعض مجرد حالات معزولة وعابرة، هي ما يشجع على "العفس" في القانون، وتحدي سلطة الدولة.

ولنستحضر هنا أن انعدام الإحساس بالأمن يمكن أن يدفع المواطنين إلى ابتكار أشكال دفاعية قد لا تخطر على البال، سيكون الخاسر الأكبر فيها، هو المغرب الذي يسعى جاهداً لتسويق صورته كبلد استثنائي في منطقة تشتعل الحرائق في أطرافها.. وكدولة أهم مؤهلاتها الاستقرار.