المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مولاي التهامي بهطاط Headshot

الحداثة المفترى عليها

تم النشر: تم التحديث:

يوم بعد يوم، يتأكد انهيار معسكر "الحداثيين"، ليس بسبب استقواء معسكر "الرجعية والظلامية"، وإنما لأن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه.

لكن تجدر الإشارة إلى أن "الحداثة" ومشتقاتها في القاموس المغربي لا علاقة لها بهذا المفهوم في مدلوله المتعارف عليه لدى العالم المستنير.

فكما كان متوقعاً، لم يستفد بعض دعاة الحداثة من الرسائل التي تضمنتها انتخابات نوفمبر 2011 ثم انتخابات سبتمبر 2015، بل استمروا في المكابرة، رغم أن الدرس الأهم من الاستحقاقين، تمثل في أن "التيار الأصولي" صار لاعباً مشاركاً في العملية السياسية، وإقصاؤه سيكون مكلفاً جداً، وبطريقة لا يتحملها البلد.

في الديمقراطيات الحقيقية أول ما يفعله المنهزم بعد إعلان نتائج أية انتخابات هو تهنئة المنتصر، ثم الانسحاب بهدوء وتسليم المشعل لوجه آخر قادر على التصالح مع الناخبين.

لكن، بما أننا في المغرب الذي لا تجري عليه النواميس الكونية للديمقراطية، فإن المنهزم عندنا يتصرف كالمنتصر، وهذا الأخير عليه أن يعتذر بل يعامل بطريقة اللص الذي ضبط متلبسا بسرقة النعال من المسجد.

لا أتحدث هنا عن المصابين بداء الزعامة المزمنة من السياسيين والنقابيين الذين يعتبرون أنفسهم "ضرورة" لأحزابهم ونقاباتهم، ويعتبرون أنفسهم اكبر من سلطة الصناديق.. بل أتحدث عن بعض محترفي "التنظير" الذين لا يتقنون سوى النعيق فوق الأطلال.

فعوض أن يمارس هؤلاء نقداً ذاتياً ويراجعوا "نظرياتهم" الكسيحة، التي كانت من أسباب تضليل بعض صناع القرار الذين اشتروا الوهم، فضلوا كالعادة سب الشعب واتهامه بالجهل الديمقراطي والغباء السياسي والأمية الحضارية.. وتحميله مسؤولية إخفاقاتهم، فالمشكل دائما في الآخر.

وعوض ممارسة السياسة بأدواتها ومفرداتها، فضلوا نقل المعركة إلى جبهات "علم الكلام" في طبعته الجديدة وغير المنقحة، لممارسة الاستاذية على مخالفيهم، وعلى الشعب الذي يتأففون من الانتماء إليه... ويترفعون على اختياراته.

لكم تمنيت لو استغل هؤلاء "البيات الشتوي" الذي دخلوا فيه مجبرين بعد انهيار "مشروعهم" التي كتب بمحبرة ليست بنت بلد، وبعد الحقائق التي تكرست مع الطبعة المغربية من الربيع العربي، لكنهم بعد عودتهم غير الموفقة، "فسروا الماء بعد الجهد بالماء" كما قال الشاعر.

لم يصدق هؤلاء أن "المشروع" الذي ظلوا يسوقونه في الداخل والخارج، انهار فوق رؤوسهم كقصور الرمال، فلجأوا إلى الوسيلة الوحيدة التي يحسنونها: التحريض وإشعال الحرائق.

ولأنه ليس في المغرب - بفضل دهاء الحسن الثاني (رحمه الله) ورؤيته الثاقبة - "سيسي" أو "خير أجناد" لتصحيح "أخطاء" الشعب "الأمي".. طرقوا باب القصر لتخويفه بنظرية "أن الغول الظلامي سيلتفت إلى الملك بعد أن ينتهي من هضم فلول الحداثيين"....
لكن هل يدرك هؤلاء كلفة أي "انقلاب" - أبيض أو أحمر - على "التجربة الديمقراطية" المتعثرة منذ عقود؟ ومن سيدفع لهم مليارات الدولارات لتوفير الطعام لكل فم وضمان استقرار هش اصلا؟ دول الخليج التي يسبونها ليل نهار؟ أم أوروبا التي ضاقت ذرعا باللاجئين السوريين الذين يتبعون مسار ابن بطوطة للوصول إلى "الجحيم" الأوروبي، والتي ليست على استعداد حتماً لدعم حريق على بعد 14 كلم من حدودها سيغرقها بأمواج بشرية من كل الألوان؟

من المؤكد أن الهدف غير المعلن لهذه العينة من "الحداثيين" تتمثل في إشعال حرائق بلا حصر، أولا حتى يجدوا أصلا تجاريا يسترزقون منه خاصة بعدما تفتح لهم المنصات في ملاجئهم "المخملية" للشماتة في الشعب "المتخلف" الذي رفض عبادة آلهتهم.

فهل ينكر أحد أن من أشد الناس عداوة للديمقراطية في المغرب بعض "الحداثيين" وبعض الذين قالوا "إنا ديمقراطيون"....؟ وهل نبالغ إذا قلنا إن هذا النوع من "الحداثيين" هم الوجه الثاني لعملة تحتل وجهها الأول داعش وأخواتها ومشتقاتها؟

وقد كانت المعركة المتوهمة مع السعودي المدعو العريفي كاشفة..

فالذين قرعوا أنخاب النصر بعد إلغاء الزيارة أو "تأجيلها"، قدموا أكبر خدمة لهذا "الشيخ" وما يحمله من افكار، لأن كثيرين ممن لم يكونوا يعرفونه، بحثوا في شبكة الإنترنت عن نماذج لـ"تطرفه"، وبالتالي من المؤكد أن أتباعه ومريديه زادوا ولم ينقصوا..

ألم يكن حريا بأصحاب العقول الخارقة عندنا أن يتحَدَّوا الرجل بمناظرته أمام الملأ وتسفيه أفكاره وكشف تهافته؟

ألم يكن الأجدى أن يناقشوه أمام الرأي العام في مواجهة علنية، بدل أن يخوضوا معركة ضد طواحين الهواء سيكون لها ما بعدها خاصة عندما سيقومون هم بدعوة "مشرقي" آخر ليقولوا على لسانه ما يخشون إعلانه صراحة؟

لكن معركة هؤلاء ليست هنا، وليس من أهدافها مواجهة التطرف والتخلف، ولا تقديم تصور سليم للدين الذي أصبحوا يستغلونه أكثر من "قبائل الظلاميين والإسلامويين".. بل الهدف هو إشعال الحرائق..

إن الحداثي حقا، هو الذي يسعى أولاً لترسيخ الاستقرار، ولمجادلة مخالفيه بالتي هي أحسن، ولا يلعب دور "المخبر"، ولا دور مشعل "المفرقعات"، ولا دور "الشكام"..
والديمقراطي حقا هو الذي يقبل بحكم الشعب، ويدافع عن خيارات صناديق الاقتراع.. ولو كانت ضد أهوائه..

ولا أفهم لماذا لا ينزل هؤلاء "المنظرون" إلى الشارع ويزاحموا تجار السياسة والدين، خاصة بعدما أكدت الاستحقاقات الأخيرة أن سلطان المال الانتخابي بدأ يتراجع، وأنه صار محصورا في العالم القروي، وأن الكتلة الناخبة أصبحت تصوت بوعي تام وبسابق تصور؟

لماذا يكتفي هؤلاء بإشعال الحرائق في ذيل الوطن؟ ولماذا يترفعون علينا ولا يعترفون بحقنا كمواطنين في أن نكون أحرارا في اختياراتنا - حتى لو كانت غير سليمة - فالشعوب أيضاً تتعلم من أخطائها؟ وبحق الفرقاء الآخرين في أن يكونوا مختلفين؟

لماذا يحاكمون النوايا ويبنون آراءهم الاستباقية ومواقفهم "المبدئية" على تخيلات وأوهام وقراءات مؤدلجة للواقع؟

إن مصير الوطن أكبر من كل الطموحات الشخصية. والتاريخ يعلمنا كيف أن الذين اعتبروا أنفسهم أكبر من أوطانهم عاشوا وماتوا في الهامش دون ان يسير في جنائزهم -الحقيقية والمعنوية- أحد..

للمرة الألف، أؤكد أن هذه الممارسات لن تخدم في النهاية سوى التيار "الأصولي"، سواء منه الفصيل المشارك في "اللعبة" السياسية، أو الفصيل الآخر الذي يملك أغلب أسهم المعارضة خارج البرلمان.

كثير من المذكرات والوثائق التي تم الكشف عنها في السنوات الأخيرة، أكدت أن الخطر على الملكية لم يأت أبداً من الشعب، فالذين تآمروا على الحسن الثاني (رحمه الله) كانوا من الدائرة المقربة منه..

ويبدو أن هذا المسلسل لازال مستمرا وإن اختلفت الأدوات.. فالذين يرفعون اليوم بعض شعارات "الحداثة" و"الدولة المدنية" مازال في قلوبهم شيء من "ثاراتهم" القديمة مع النظام وسلطته الروحية..

ليست هذه نبوءة عراف ولا تفتيشاً في النوايا ولكنها قراءة أمينة في خطاب الذين بدت البغضاء من أفواههم..
ورحم الله نصر بن سيار..

أرى تحت الرماد وميض جمر٭٭ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تُذكى٭٭وإن الحرب مبدؤها كلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم٭٭يكون وقودها جثث وهام
وللقصيدة بقية .. حذفتها "الرقابة الذاتية"..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.