المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مولاي علي الأمغاري Headshot

سياسة صفر مشاكل وعملية السلم والديمقراطية.

تم النشر: تم التحديث:

مما لا شك فيه أن السيد أحمد داوود أوغلو رئيس الحكومة التركية سياسي من طراز نادر، فهو شخصية جمعت بين العمل الأكاديمي الجامعي والممارسة السياسية المتميزة، أمر غير مألوف إلا في حالة هنري كيسنجر الأمريكي، لكنه لم يبلغ مرتبة أعلى من وزير الخارجية، أما وصول أحمد أوغلو لهذه الدرجة من الأهمية في الجمهورية التركية يعد أمرًا غير مسبوق ليس في تركيا فقط بل في العالم.

هذه شخصية تقوم على التمسك بالمبادئ والقيم مع السعي في تحقيق المصالح الوطنية التركية على جميع المستويات، نظريته المعروفة "بصفر مشاكل مع الجيران" خلقت نقاشًا عميقًا بين أرباب السياسية الدولية.

وقد عرفت هذه السياسة نجاحًا متفاوت الدرجات سواء داخل تركيا وخارجها، هذا النجاح لم يعجب الكثير، فواجهت هذه النظرية قصفًا كثيفًا من العجم والعرب، بسبب وبدون سبب، واعتبروها سرابًا تجري وراءه تركيا، لكونها تقع في تناقضات كثيرة من حيث تحالفاتها، واصطفافها مع الشعوب بدل الأنظمة، وتحديها للكيان الصهيوني وغيرها من النواقص في نظرهم التي تجمعها السياسة الخارجية التركية في عهد حكم حزب العدالة والتنمية.

وقوي هذا القصف المغلف بالنقد المتجرد والتحليل السياسي المنطقي، بعد العملية العسكرية ضد داعش وبي كا كا الإرهابيين، فكانت مثل هذه العناوين: "من صفر مشاكل إلى صفر جيران"، "إفلاس السياسة الخارجية التركية"، "فشل سياسة صفر مشاكل مع الجيران" وغيرها والتي يبتعد مضمونها عن المعلومة الصحيحة والتحليل السياسي المنطقي، ولا يظهر فيها إلا الشماتة بتركيا وقادة حزب العدالة والتنمية، وتنقيصًا من كفاءتهم السياسية وانضباطهم الأخلاقي.

لخص أحد الفضلاء عوار هذه الانتقادات في ما يلي: "وصل الأمر بالمنتقدين أن جعلوا "سياسة صفر مشاكل" سببًا لأي حدث أو أزمة تحدث في المنطقة.. كما تقّدم تحليلات آنية تهدف إلى تسجيل النقاط أكثر من تناول القضايا بعمق في عصر يعيش أزمات سياسية وصراعات داخلية، كما يشهد ثورات وثورات مضادة، ومشاكل حدودية ..".

وبالرجوع إلى وثيقة "صفر مشاكل مع الجيران" ووثيقة "سياسة صفر مشاكل في المرحلة الجديدة" للبروفسور أحمد أوغلو، ومنجزات السياسة الخارجية التركية في عشر الأعوام الماضية، يتبين أن النظرية لها عمق فكري وبعد إستراتيجي يعي المتغيرات السياسة داخل تركيا وخارجها، ويعرف أن الوضع الجغرافي لتركيا وإرثها التاريخي سيضع تحديات كبرى أمام هذه السياسة، هذا التحدي بينه البروفسور أوغلو في مقاله حول: "صفر مشاكل مع الجيران" بقوله: (تواجه تركيا ضغطًا لتولّي دور إقليمي مهم، ما خلق توترات بين التحالفات الإستراتيجية الحالية والمسؤوليات الإقليمية الصاعدة، كان تحدّي إدارة هذه العلاقات ملموسًا بحدة في الأزمات الإقليمية الأخيرة وستبقى تركيا ملتزمة بتحقيق انسجام بين تحالفاتها الإستراتيجية الحالية وجيرانها والمناطق المجاورة).

وأكد أوغلو هذا الوعي بقوله في مقال "سياسة صفر مشاكل في المرحلة الجديدة": (عندما أعلنا عن البدء بتنفيذ سياسة صفر مشاكل، لم تكن غايتنا فقط تطوير المصالح الاقتصادية والأمنية لتركيا ولم نفكر أبدًا في اتباع أجندة السياسة الواقعية التي تفتقر إلى القيم، بل على العكس كان الهدف منها هو إزالة العقبات دون النظر إلى مصادرها والتي كانت تعوق اندماج تركيا مع جيرانها. هدفنا الأساسي هو السعي من أجل استمرار التواصل بين كافة المجتمعات والشعوب وعلى رأسها شعبنا وشعوب المنطقة برمتها ضمن ما أسميناه بـ '' الحد الأقصى من التعاون").

وتابع أحمد أوغلو بيان أن سياسة "صفر مشاكل" تساير مرحلة التغير التي تعرفها المنطقة: (سنستأنف العمل على نحو يلائم روح مبدأ ''صفر مشاكل مع دول الجوار'' وسنعمل على إتمام الاندماج الإقليمي وذلك بعد اكتمال مرحلة التغيير في المنطقة).

حاصل الأمر أن "سياسة صفر مشاكل" خيار إستراتجي، لا بأس أن يتوقف تنفيذه بعض الوقت من أجل صد مؤامرة ضد الأمن القومي التركي أو الوقوف مع المطالب الشعبية في بلدان الربيع العربي أو رفضًا للبلطجة الصهيونية الإرهابية أو عندما يقوم نظام طائفي بإبادة شعب بكامله من أجل البقاء في السلطة.

سياسية "صفر مشاكل" هي رؤية إستراتيجية وقيم إنسانية وإسلامية، وبراغماتية معتدلة وراءها قوة حازمة تصدّ التهديدات لا تطلقها، تعطي الأولوية لقوة تركيا الديمقراطية - المدنية - الاقتصادية - الدبلوماسية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.