المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مسعود عكو Headshot

مقارنة الشرور ومفاضلة الأشرار

تم النشر: تم التحديث:

لم تترك الثورة/ الحرب السورية أية قيمة بشرية إلا وقامت بتغييرها وفق منهج الحق والباطل، والقوي والضعيف.

الحرب التي تجاوزت عامها السادس غيّرت كل إرث بشري، تناقلته الأجيال السورية منذ الإله بعل إلى يومنا هذا، فلم يحطم أي واحدٍ سيفه، ولم يتناول معوله، ولم يزرع السلام والمحبة في كبد الأرض، بل ظل حاملاً سيفه في وجه الآخر، وكلاهما مقتول لا محالة.

لا يختلف اثنان (إلا مؤيدي النظام) في أن حجم العنف الذي مارسه الأسد ضد خصومه منذ بداية انطلاقة هذه الثورة، هو الذي دفع بالسوري المظلوم إلى مواجهة النظام بالمنطق ذاته.

الثورة التي تحولت فيما بعد إلى كفاح عسكري مسلح لتمر بنزاع داخلي أو حرب أهلية/ طائفية، ولن تنتهي كما هي اليوم حرباً عالمية ضد الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، وجبهة النصرة بكل مسمياتها الجديدة.

العنف الذي مارسه النظام منذ اعتقال أطفال درعا، وليس انتهاء بجرائم الحرب الكيماوية والبرميلية، ولّد عنفاً مضاداً لا يختلف قيمة عن ظلم النظام، إذا ما حجبنا قوة السلاح غير الموازية له من جهة المعارضة.


المعارضة العسكرية مختلفة التسميات والتوجهات الدينية منها والوطنية، ولو أن الأخيرة أصبحت نادرة مع طغيان العامل المذهبي على كل الصراع، قامت أيضاً بممارسة العنف، بيد أن هذا العنف لا يقارن مع ذلك الذي مارسه الأسد مطلقاً.

الثورة المفترضة أن تحمل قيم الحرية والكرامة والعدالة، وتعيد هذه القيم الإنسانية للسوري، لم تقدم على أي فعل حقيقي لتترجم أهداف الثورة كقيم بشرية يناضل السوري لاستعادتها، بعد أن اغتصبها حزب البعث من خلال آل الأسد الحاكم لقرابة نصف قرن.

سرعان ما تحولت الثورة إلى نزاع مسلح بين النظام وبين معارضيه الذين تلقوا دعماً مالياً وعسكرياً مباشراً من السعودية وقطر، وإدارة تركية للحرب بإشراف أميركي.

الحرب حولت المتقاتلين إلى فريقين يحاول كلاهما إثبات أن الآخر أكثر شراً منه، وليس محاولة تقديم نفسه بديلاً أفضل.

الحرب دفعت المتصارعين الرئيسيين الأسد وخصومه إلى إبراز أن الآخر يمارس وحشية قذرة فاقت التصورات البشرية، ولكن شره، وتعداد ضحاياه أقل، وكذلك ظلمه أخف.


النخب السياسية السورية المعارضة مارست دوراً ليس بأقل من منظومة الأسد السياسية، هللوا للحرب، وطبلوا للنزاع المسلح منادين الكون بتسليحهم لإسقاط الأسد الأكثر ظلماً من المعارضة، روجوا للأسد بأنه ظالم جداً، وأن العسكرية الثورية أقل ظلماً، عملوا على إظهار المسلحين المعارضين بأنهم أشرار، ولكن بأقل مما يمارسه نظام الأسد من شرور، برروا كثيراً شر الثوار بأنه لا يقارن مع ما تفعله آلة القتل الأسدية، وهو صحيح طبعاً.

ولكن كان لا بد لهم من ممارسة دورٍ أفضل مما قاموا به، وضعوا السوريين أمام خيارين لا ثالث لهما: الأسد أكثر شراً، والمعارضة الأقل، دون أي إدراك لقيمة أخلاقية بأن الثورات تقام من أجل خيار أفضل، وليس من أجل تقديم نموذجٍ أقل ضرراً وشراً مما كان عليه سلفه.

كُردياً قدمت أيضاً الجماعة السياسية الكُردية نموذجاً لا يختلف مطلقاً عما قدمه السوريون الثوار، مارس حزب الاتحاد الديمقراطي ظلماً عبر مؤسساته مختلفة التسميات على الأحزاب الكُردية المناهضة له، قدم نموذجاً كُردياً شريراً ولكن بأقل من شرور الأسد، بل ذهب البعض إلى مقارنة الشرين فاعتبروا في أمور كثيرة شرور النظام أقل من شرور الكُردي الديمقراطي، أقله غض النظام الطرف عن ممارسات الأحزاب الكُردية لنشاطاتها السياسية لعقود، في حين أن حزب الاتحاد الديمقراطي اغتصب الساحة السياسية الكُردية، بعدما فرض سلطانه بقوة السلاح، فلم يدع تلك النخب السياسية من ممارسة نشاطاتها، بل مارس عليها كافة أنواع الاضطهاد البعثي، ولكن بنكهة كردية.

فشلت النخب السورية السياسية والعسكرية المعارضة من إبراز نفسها كبديل أفضل من النظام، بل بررت الظلم كثيراً من باب (مقارنة الشرور ومفاضلة الأشرار) كلامٌ صحيح في مفهوم الظلم، ولكن كارثة من منطلق المقارنة الأخلاقية.

أقمت بثورة لتكون بديلاً أقل شراً من النظام، أم من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وتعيد للسوري ما فقده خلال عقود؟ حطمت معولك وحملت سيفك، وزرعت الحرب والكراهية في كبد سوريا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.