المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مسعود بن محمود Headshot

مفاهيم الإسلام السكولاستيكي.. التوحيد نموذجاً‎

تم النشر: تم التحديث:

"يقولون: إن لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني، أفلا يكون للقاضي، أو للمفتي أو شيخ الإسلام؟.

وأقول: إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء، فهي سلطة مدنية أقرها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم، أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره".

يرد الإمام المجدد محمد عبده، في مقولته هذه، على كل من يدّعون السلطان الديني، سواء لأنفسهم أو لغيرهم، من الفقهاء ورجال الدين على الناس، وكأنهم هم المتحدثون باسم الله، والوكلاء عن خلقه في الأرض، فلا فهم للدين إلا فهمهم، ولا اجتهاد إلا اجتهادهم.

ولعل أهم أسباب طغيان هذه العقليات الدوغمائية، والسكولاستيكية في فهم الدين، هو الفهم السطحي للنصوص الدينية، والذي يتولد بدوره عن استخدام المنهجية العملية والمعيارية التقليدية، التي توظَّف لاستنباط الأحكام من النصوص المقدسة (القرآن، الحديث).

أما عن نتائج وعواقب هذه الأفهام السقيمة، فحدث ولا حرج، وما ترزح الأمة اليوم تحته من عنف وقتل، وما تغرق فيه من دماء وأشلاء، لدليل قاطع على ذلك، وهو كذلك دافع قوي لإعادة فتح باب الاجتهاد، من أجل خلق تفسيرات جديدة، تتناسب مع الظروف والتحديات الراهنة التي نشهدها ونعيشها، وإعادة تجديد المفاهيم الدينية، وبناء منهجية اجتهادية على أسس علمية، بعيدة عن التجريدية والشكلية.

وإن من أبرز المفاهيم الدينية، التي تعرضت للكثير من التشويه والقصور؛ بل التقصير في تحديد مفهومها، مصطلح التوحيد، الذي يعد ركيزة وأساساً في الجانب العقائدي لدى المسلمين.

التوحيد ظل -ولا يزال- من أكثر المصطلحات العقائدية التي أثارت جدلاً كبيراً، داخل أوساط المهتمين بالشأن الديني من علماء وفقهاء ومفسرين، والتعريفات المتداولة بكثرة لدينا اليوم لهذا المصطلح، لا تخرج عن كونها تعاريف لغوية للتوحيد، وحتى الاصطلاحية منها ضيقة، وحصرت في ترديد عبارات وأقوال فقط، وهو ما تمتلئ به كتب التراث المعروفة لدينا، وحتى كتب الفقهاء والعلماء المعاصرين.

لكن المشكلة ليست فقط في قصور المفهوم اللغوي للتوحيد، وضيق المعنى الاصطلاحي لها، إنما المشكلة أيضاً في العمل به كمقياس، أو كمعيار لتصنيف الناس -خاصة غير المسلمين- على هذا الأساس، إلى مسلم وكافر.. مؤمن ومشرك أو ملحد، هذا التصنيف الذي يُرتبون عليه أحكاماً، ظالمة في حق من لا يؤمن بمثل هذا التوحيد، وأظلمها استباحة العرض والدم والمال! وفي الحقيقة، التوحيد بالمعنى المتعارف عليه، لدى غالبية المسلمين، هو مجرد تصور ذهني واعتقاد عقلي، ولهذا لا يمكننا بأي حال من الأحوال، من خلاله أو بواسطته تصنيف الناس.

وحتى ما يستدلون به، على أحكامهم وتصنيفاتهم هذه، من النصوص القرآنية التي تدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، عند الاستقراء السليم والصحيح لها، لا يترتب على من أنكر التوحيد -بعيداً عن الازدراء- بالمفهوم التقليدي أو لم يأخذ به، أي جزاء دنيوي يوقع عليه من أي سلطة كانت؛ لأنه في حقيقته اعتقاد شخصي يتعلق بالإيمان، إيمان الشخص، وهو شأن خاص به ولا يمكن لأي بشر أن يتدخل فيه، ويصنف غيره على هذا الأساس، فالله وحده من سيحاسب على ذلك، ولا سلطة لبشر على بشر في مسائل الاعتقاد.

هذا دفع بهم إلى الاستدلال، بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة، لأجل تبرير سلطتهم الدينية على غيرهم، النابعة من أفهامهم السقيمة، ومن أبرزها حديث: "أُمرت أن أقاتل الناس.."، هذا الحديث الذي يتعارض بشكل واضح مع آية حرية الاعتقاد المحكمة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: "لا إكراه في الدين".

لكن وللأسف وبهذا الفهم الضيق المتعصب، لا يزال فقهاؤنا يمارسون منذ قرون، سلطة دينية كهنوتية على الناس، وهذه الممارسات الاستدلالية المقالية، والتكرار السكولاستيكي والتصورات الذهنية، هي ما ينبغي للمفكر المسلم، الاضطلاع بها ومواجهتها، لأجل إعادة غربلة موروثنا الديني وتصفيته.

ومما سبق يتضح لنا، أن التوحيد ليس مجرد اعتقاد وتصور ذهني وعقلي، أو ألفاظ تردد وتقال، بل هو أرقى العبادات وأقدسها، وشأن قلبي وجداني يُتَبَنَّى عن قناعة تامة، لا عن إكراه وقوة وعنف.

إن التوحيد الذي يُستقرأ من الآيات الكثيرة في القرآن الكريم؛ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.. إِلَهِ النَّاسِ"، "وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ"، "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ"، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً".

هو التوحيد الذي على أساسه توحِّد الله بتوحيدك لخلقه، أي ألا تنتمي إلى أحد دون الآخر، ولكن تنتمي إلى الحق والقيم، والعدل والمبادئ أينما كانت، أن تكون للناس كافة، كما الله -سبحانه- كذلك رب العالمين، ومحمد -عليه الصلاة والسلام- رسول للعالمين، وبهذا تكون قد أخذت بالمعنى الأساسي والرئيس للتوحيد، وحققت صلتك بالله حقاً وأكدتها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.