المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروان ياسين الدليمي Headshot

المخدوعون

تم النشر: تم التحديث:

ليس لدي أدنى شعور بأني كنت مخدوعاً في هذه الحرب المزعومة على الدواعش، ولكني أرثي حال البسطاء من عوام العراقيين الذين انساقوا إليها تحت أدخنة شعاراتها التي اعمت بصيرتهم وجعلتهم لا يدركون أن من يقودهم لا يقل وحشية عن عدوهم، ولربما أشد قسوة وغلظة منه، ولن يتردد في أن يبيعهم في لحظة ما ــ جُملة وتفسيخاً ــ كما لو أنهم ليسوا من أبناء جلدته ولا طائفته، كما يدعي ويزعم إذا ما اقتضت مصلحته ذلك.

الغريب أن هؤلاء الذين يشعرون في هذه اللحظات بأنهم قد خدعوا من قادتهم ومرجعياتهم ما زالوا يخدعون أنفسهم، ولا يقرون بأنهم قد خدعوا، ولديهم الاستعداد لأن يقبّلوا اليد التي خدعتهم ودفعتهم إلى أن يذهبوا بإرادتهم إلى محرقة الخديعة، وما زالوا يثرثرون بحجج واهية مخجلة؛ لكي لا يعترفوا بأنهم قد خدعوا.

عندما توعد قيس الخزعلي، زعيم ميليشيا ما يدعى بعصائب أهل الحق، بالثأر من قتلة الحسين في الموصل قبل بدء معركة تحريرها من الدواعش، كان يمارس فعل الخديعة على أتباعه الذين غُيّبت عقولهم في مستنقع الطائفية، وكان يعلم جيداً أن الآخرين ليسوا بمغفلين، لكي تنطلي عليهم لعبته وتلاعبه بالألفاظ، وفهموا جيداً أن ما كان يقصده بالثأر من قتلة الحسين ما هو إلا تدمير الموصل واستباحة دماء المسلمين السنة من أهلها، ليس لأنهم أحفاد من كانوا مسؤولين عن قتل الحسين، كما زعَم وادّعى في كلمته الشهيرة بهذا الخصوص، إنما لأنه كان تابعاً ذليلاً لطهران ينفذ حرفياً ما كانت تأمره به، والتي لم تتردد في اختلاق الأكاذيب والأوهام لأجل أن تنتقم من الذين كانوا سبباً في هزيمة احلامها باحتلال العراق في ثمانينات القرن الماضي، وحتى بعد أن افتضح ما كان يقصده الخزعلي، وتعالت الأصوات منددة بما فاح من لسانه من قيح طائفي لم يفلح في التوضيح الذي أعلنه في ما بعد لتبديد تلك المخاوف.

ثم جرى ما جرى في الموصل القديمة من عمليات تدمير وقتل وحشية للمدنيين بفعل المدفعية والصواريخ التي كانت تطلقها القوات العراقية، وتحديداَ الشرطة الاتحادية، وليس خافياً على من يتابع مجريات المشهد العراقي أن هذه القوات قد انحشرت فيها عناصر ميليشيا عصائب أهل الحق وفصائل أخرى لا تقل عنها تطرفاً وتبعية لإيران تجاوزاً للقرار الذي تم الاتفاق عليه ما بين الحكومة العراقية والأميركية بمنع مشاركة فصائل الحشد الشعبي في معركة الموصل؛ نظراَ لحساسيتها من الناحية المذهبية.

وفي مرحلة متأخرة من المعركة جاء طرد (حيدر الطليباوي) أحد العناصر القيادية في ميليشيا العصائب من قِبل الجنرال عبد الأمير يار الله شخصياً، قائد عمليات "قادمون يا نينوى"، بعد أن أوغل الطليباوي في تطرفه ووحشيته وهو يصدر الأوامر التي يوعز فيها بقصف المدينة بالصواريخ وقذائف المدفعية الثقيلة، مما تسبب في سقوط عشرات القتلى بين صفوف المدنيين وإحداث ضرر كبير في أبنية ومنشآت المدينة الحيوية من غير أن يكون هنالك أسباب موجبة تقتضي هذا العنف المفرط، خاصة أن عناصر داعش كانوا أعداداً قليلة جداً بالقياس إلى المساحة الواسعة من الأحياء السكنية التي كانوا يتواجدون فيها.

وعلى عكس ما كان عليه قادة أجهزة مكافحة الإرهاب من انضباط وحرص على حياة المدنيين بالشكل الذي قدموا فيه نموذجاً عالياً من العسكرية العراقية التي تستحق الفخر بها وبجميع عناصرها، كان قائد الشرطة الاتحادية الرائد شاكر جودت يتصرف بعنجهية واضحة كما لو أنه ليس معنياً بأوامر وتعليمات القيادة العسكرية التي تدير المعركة، إنما ينفذ ما جاء على لسان زعيم ميليشيا العصائب قيس الخزعلي بالثأر من أحفاد قتلة الحسين في الموصل، فتمادى كثيراً في قصف أحياء المدينة القديمة بالصواريخ وقذائف الهاون والمدفعية الثقيلة طيلة أيام المعركة دون توقف حتى أحالها إلى الصورة المرعبة التي بدت عليها، وهناك شريط فيديو موجود على شبكة الإنترنت في موقع اليوتيوب يظهر فيه شاكر جودت وهو يتحدث إلى عدد من الجرحى من أفراد الشرطة الاتحادية أثناء زيارته لهم في المستشفى، ويوعدهم بأن الموصل ستصبح حالها حال الفلوجة والرمادي وبيجي، بمعنى أنه سيحيلها إلى خراب، كما حصل في تلك المدن .

الميليشيات المرتبطة بطهران مثل العصائب ومن ارتبط معها من الضباط والعناصر في الأجهزة الأمنية والعسكرية مثل قائد الشرطة الاتحادية شاكر جودت كانوا قد أغلقوا أية خيارات ممكنة لتجنيب مدينة الموصل خسائر فادحة في الأرواح والأبنية والمنشآت، ومن ضمن ذلك فتح ممرات لكي يهرب من خلالها عناصر داعش باتجاه الصحراء، ومن ثم اصطيادهم بالطائرات حتى أن حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني، كان قد انتقد وبشدة في أحد خطاباته المتلفزة الأميركان والحكومة العراقية؛ لأنهم سمحوا لعناصر تنظيم الخلافة بالهرب من الفلوجة والرمادي، وحذرهم من مغبة تكرار ذلك في معركة الموصل واعتبر من يقدم على ذلك سيكون مجرماً وإرهابياً، وعلى ما يبدو فإن عناصر الحشد، وخاصة العصائب الذين شكلوا الجسد الأكبر لقوات الشرطة الاتحادية قد التزموا بهذا التحذير واعتبروه أمراً مُلزماً يجب طاعته وتنفيذه. بذلك تتحمل هذه القوات، وفي مقدمتها الرائد شاكر جودت، الجزء الأكبر من المسؤولية عن كل ما جرى في الموصل القديمة من تدمير وإبادة ممنهجة طالما لم يضعوا في أولويات حساباتهم حياة المئات من المدنيين العزل المحاصرين، بينما في المقابل لم يلتزم حسن نصر نفسه بما كان قد أطلقه من تحذير بمنع هروب عناصر داعش وسمح لهم بالهرب من المناطق التي كانوا محاصرين فيها في جرود عرسال التي تخلو أساساً من السكان؛ لأنها جرود موحشة لا تصلح للعيش، ولم يكتف بذلك إنما جهز لهم باصات مريحة لتنقلهم مع عوائلهم معززين مكرمين إلى مدينة البوكمال عند الحدود السورية العراقية.

لم يعد هنالك من مجال للشك في أن المليشيات العراقية المرتبطة بطهران قد وضعت مصلحة العراق وشعب العراق في آخر سلم أولوياتها، وهذا ينسجم تماماً مع موقف قادتها التقليديين، عندما اختاروا الدفاع عن نظام طهران في الحرب العراقية الإيرانية "1980 - 1988" في مقابل القتال ضد جيش بلدهم العراق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.