المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروان ياسين الدليمي Headshot

هل توسِّع أميركا نفوذها في شمال سوريا؟

تم النشر: تم التحديث:

لعلَّ اختيار مفردة الضبابية سيكون الأقرب في محاولة توصيف التحول في الموقف العسكري الأميركي من الصراع الدائر في سوريا، فالإدارة الأميركية منذ أن بدأت الأزمة السورية كان موقفها يثير الجدل لدى معظم الأطراف الدولية والإقليمية، خاصة أنه كان يتأرجح ما بين الغموض والتخبط.

إن كل الذي كان يهم واشنطن مع بقية العواصم الأوروبية خلال الأعوام السابقة انحصر في محاولة إبعاد خطر الإرهاب عن حدود بلادهم وشعوبهم، وحتى بعد دخول الروس في 30 سبتمبر/أيلول 2015 على خط الصراع السوري بشكل فاعل ومؤثر، عبر سلاح الجو ولصالح نظام بشار، لم يُظهر الأميركان ما يشير إلى أنهم يمكن أن يُقدِموا على خطوة واضحة تبدد ما هو ملتبس في موقفهم.

وعندما بدأوا خلال الأيام القلية الماضية بدفع قوات خاصة عسكرية وبعدد محدود شمال سوريا لدعم القوات التركية والفصائل المعارضة السورية التي تدعمها أنقرة زاد موقفهم هذا غموضا؛ لأنه يأتي في نفس الوقت الذي يقدمون فيه دعماً عسكرياً لقوات حماية الشعب الكردية التي يحاربها الجيش التركي، وكانت هدفاً رئيسياً لعمليات درع الفرات، وسبباً في توغله داخل الأراضي السورية، في محاولة منه لكبح جماحها، ومنع تمدُّدها على طول الشريط الحدودي المحاذي للحدود الجنوبية لتركيا، خاصة أن أنقرة تعتبرهم جزءاً من منظومة حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه ضمن قائمة المنظمات الإرهابية.

فكيف يمكن أن يُفهم هذا الموقف المزدوج للأميركان، فمن جهة نجدهم يدفعون بقوات خاصة لدعم "درع الفرات"، ومن جهة ثانية يدعمون وحدات حماية الشعب الكردية المناهضة للتدخل التركي؟!

هذه الازدواجية في الموقف الأميركي تدفع أنقرة قبل غيرها إلى أن تكون غير مطمئنة، ورغم ذلك فإن تركيا لا يبدو منها ما يوحي إلى أنها سوف تلجأ على المدى المنظور إلى خطوات تصعيدية إزاء السياسة الأميركية، وما زالت حتى هذه اللحظة تبدو حريصة على أن تتعامل معها بدبلوماسية، ولم تظهر ما يشير إلى أن العلاقة بينهما ذاهبة إلى لحظة صِدام، وهذا يعود إلى أنها في موقف حرج، وليست على استعداد في حدود الظرف الراهن إلى أن تضع أميركا في قائمة خصومها الذين تكاثروا بعد تصاعد الأزمة السورية.

وقد بذل أردوغان ما بوسعه من جهد للخروج من هذا المأزق السياسي الذي ازداد تفاقماً، خاصة بعد الانقلاب العسكري الفاشل (16 يوليو/تموز 2016) إلى الحد الذي دفعه إلى أن يتنازل عن كبريائه العثماني، والذهاب إلى موسكو، والبدء بصفحة جديدة من العلاقات معها، بعد أن كانت قد شهدت توتراً شديداً.

ربما الموقف الأميركي لا يعد تخبُّطاً من وجهة نظر الإدارة الأميركية، بقدر ما تراه تردُّداً يحمل بين طيّاته من الحسابات الموضوعية ما يجعله يكتسب أهمية خاصة لديها، بناءً على أمور كثيرة، يأتي في أولوياتها ما يتعلق بتحديد الموقف من قوى المعارضة السورية المعتدلة، والمدعومة من قِبل قوى إقليمية أرادت أن تأخذها بعيداً عن مشروعها الوطني الذي ابتدأت به ثورتها ضد النظام في دمشق، وأجبرتها على تبنِّي مشاريع إقليمية.

والحديث الدائر في أروقة المباحثات الأميركية - الروسية حول عملية البحث عن معارضة معتدلة داخل حلبة الصراع السوري بعد أن وصل إلى هذه المرحلة من التداخل والتعقيد بين خنادقه، يبدو كمن يبحث عن إبرة وسط تل من القش.

وقد لاحظنا خلال اليومين الماضيين أن كل الفصائل السورية أعلنت تضامنها مع جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) بعد الاتفاق الروسي والأميركي، ورفضت جميعها التمييز فيما بينها، وبناء على ذلك ستبقى مسألة تحديد وفرز الفصائل المعتدلة عن تلك المتهمة بالإرهاب المشكلة الكبرى التي تعيق أي تقدم في المفاوضات التي تجري ما بين القوى الكبرى والإقليمية.

ومن السخرية بمكان بهذا الصدد أن الرئيس الأميركي أوباما كان قد تحدث قبل سنتين، وبنبرة لا تخلو من السخرية، بما معناه "أن معارضة تتكون من أطباء ومهندسين زراعيين لا يمكن الاعتماد عليها".

هذا الفهم لدى الإدارة الأميركية يعكس تناقضاً واضحاً في موقفها، وعدم جديتها في دعم المعارضة المعتدلة، حتى فيما لو تم الاتفاق عليها، وهذا ما كان قد أعطى الفرصة سانحة منذ عام 2012 للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم الخلافة (داعش)، حتى تتمدد على الأرض السورية طيلة الفترة الماضية.

أيضاً لا يمكن تجاهل عدم ثقة الأميركان بالحليف التركي، طالما أردوغان وحزبه يُمسكان بالسلطة، فالمسألة من هذا الجانب ليست مرتبطة بالموقف من الدولة التركية ذاتها، بقدر ما هي ترتبط بالموقف من نظام أردوغان، وهذا ما تشير إليه تجاذبات العلاقة ما بين أنقرة وواشنطن خلال الفترة الماضية من عمر الصراع السوري، ورغم هذه الغيوم التي تكاثفت فوق سماء العلاقة بينهما تبقى تركيا حليفاً استراتيجياً لواشنطن.

والأميركان بكل الأحوال لن يكونوا مغفَّلين؛ ليدركوا أن أردوغان ليس لديه من الإصرار ما يكفي للمحافظة على هذه العلاقة، ولهذا لم يندفعوا في موقف عسكري داعم له، كما فعلوا مع الأكراد الذين تثق بهم الإدارة الأميركية بشكل كبير؛ لأنهم كانوا دائماً حريصين على العلاقة معها، وعدم التفريط بها بكل الظروف والأحوال.

مجريات الصراع الدائر في سوريا تشير إلى أن الدور الأميركي يبقى في إطار إدارة دفة هذا الصراع إلى الوجهة التي تديمه فترة أطول حتى تأتي اللحظة التي يشعر فيها جميع الأطراف بالإنهاك الشديد، وعدم القدرة على مواصلة القتال وحسم الصراع.

لربما هنا يُطرح سؤال: هل تركيا بما تملكه من قدرات عسكرية كبيرة بحاجة إلى دعم قوات خاصة أميركية؛ لكي تتمكن من تحقيق أهدافها على الأرض؟

الأرقام والحقائق المتوافرة عن قدرات الجيش التركي تقول بأن تركيا ليست بحاجة من هذه الناحية، لكنها بحاجة إلى هذا الدعم من ناحية محتواه السياسي؛ لكي تخفف من حدة التوتر الذي أصاب علاقتها مع واشنطن؛ لهذا ارتضت أن يكون للأميركان هذا التحرك الذي شهده الشمال السوري في الفترة الأخيرة، وبنفس الوقت للحد من تصاعُد الطموح لدى قوات حماية الشعب الكردية، الذي جاء ثمرة علاقتها مع الأميركان.

علينا أن نتذكر بهذا الشأن أن ما أحرزه الجيشان العراقي والتركي من تقدم على الأرض خلال الأشهر القليلة الماضية في الحرب ضد تنظيم الخلافة (داعش) كان كبيراً جداً، ويعادل بنتائجه ما أنجزه التحالف الدولي خلال الأعوام الماضية، وقد يكون ذلك سبباً مهماً دفع الأميركان إلى أن يراجعوا حساباتهم التي انحصرت في كيفية إدارة الصراع، وليس العمل على حسمه.

وما هو جدير بالملاحظة أن فصائل الجيش الحر رفضت دعم القوات الخاصة الأميركية لها؛ لأنها -وكما يبدو- قد فسَّرت هذا الدعم في إطاره التجسُّسي، وليس من باب الدعم العسكري، خصوصاً أنها كانت تطالب بالدعم منذ خمسة أعوام، ولم تجد آذاناً مصغية، ولا نشك أبداً في أن تركيا تشعر بالرضا إزاء هذا الموقف الذي أبداه الجيش الحر.

من الواضح أن التحركات الأميركية العسكرية الأخيرة في الشمال السوري تجعلنا نهيئ أنفسنا لمرحلة جديدة ستقدم عليها واشنطن، وستفصح عن نفسها بشكل أكبر مع اقتراب نهاية سباق الانتخابات الأميركية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.