المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروان ياسين الدليمي Headshot

مستقبل الدولة العراقية ما بعد الانتصار على داعش

تم النشر: تم التحديث:

بعد كل حدث عام يشهده العراق يثبت سكانه لأنفسهم بردود فعلهم المتقاطعة، قبل أن يثبتوا للآخرين كما لو أنهم مجموعة شعوب ليس بينها من الروابط ما يمكن أن يجمعها تحت سقف وطن واحد.

هذا الاستنتاج ينسجم تماماً مع ما قاله عنهم الملك فيصل الأول، الذي حكم المملكة العراقية، عند تأسيسها عام 1921: "أقول وقلبي ملآن أسى: إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعون بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانقضاض على أي حكومة كانت، ومع هذه الحالة فإننا نريد أن نشكِّل شعباً ونهذبه وندربه ونعلمه، ولكم أن تتخيلوا صعوبة هذا العمل وعظمة الجهود التي يجب أن تصرف لإتمام هذه القضية".

في 21 يونيو/حزيران 2017 تم تفجير منارة الحدباء في مدينة الموصل، التي تقع وسط جامع النوري، من غير أن يعرف لحد الآن الظروف التي رافقت عملية التفجير، خاصة أن أية جهة لم تصدر بياناً تعلن فيه مسؤوليتها عنه صراحة، بما في ذلك تنظيم الخلافة (داعش) الذي ألقى بالمسؤولية على طيران التحالف الدولي، بقيادة الأميركان، عبر شريط فيديو أصدره التنظيم، تضمّن لقاءات مع عدد من الأشخاص يقفون عند أنقاض المنارة، ولربما هذه هي المرة الوحيدة التي يتنصل فيها تنظيم (داعش) من مسؤوليته عن عملية تفجير أحد الجوامع، مع أنه كان أقدم في وقت سابق، أثناء سيطرته على محافظة نينوى، على تفجير أبرز الجوامع التاريخية في مركز مدينة الموصل، والتي يعود تاريخ بنائها إلى مئات السنين، وكانت تضم داخل أبنيتها أضرحة لشخصيات تاريخية أو دينية، والبداية كانت مع جامع النبي يونس عندما أقدم على تفجيره في 26 يونيو/حزيران 2014 ثم تبع ذلك جامع النبي شيت، والنبي جرجيس، والنبي دانيال، ومرقد وضريح يحيى أبو القاسم، هذا إضافة إلى محوه كافة الرموز والإشارات الهندسية والتاريخية المحفورة على جدران بقية الجوامع مثل النجمة الثمانية العباسية.

ومما يثير التساؤل أن تنظيم داعش كان قد استهدف في عمليات التفجير جوامع ومساجد المسلمين سنةً وشيعةً، بينما تعامل بطريقة أخرى أقل قسوة مع كنائس المسيحيين، مع أنه هجرهم من بيوتهم ومناطق سكناهم في الموصل وفي سهل نينوى، واستولى على جميع أملاكهم باعتبارها غنائم حرب مثلما فعل مع الأيزيدية، وإن كان مصاب الأيزيدية أقسى من الجميع بعد أن سبى واغتصب نساءهم وقتل شيوخهم، وعلى ذلك بقيت الكنائس على حالها، إلاّ أنه استباح ما تحويه من أثاث وحرق جميع محتوياتها الثمينة مِن كتب ومخطوطات نفيسة، كما حطم كافة الرموز المسيحية فيها مثل الصلبان وأيقونات تمثل المسيح ومريم العذراء، هذا إضافة إلى تشويه الرسوم في سقوفها وجدرانها.

ما يهمنا هنا التوقف أمام ردود فعل العراقيين إزاء حادث تفجير منارة الحدباء التي يعود تاريخها إلى أكثر من 850 عاماً، وكان جامع النوري الذي تتوسطه المنارة قد بناه مؤسس الدولة الزنكية الأمير نور الدين محمود زنكي عام 1173م في مركز مدينة الموصل وسمي بالجامع الكبير؛ نظراً لسعته وفخامة بنائه.

أعقب حادث التفجير انقسام حاد بين أصوات محسوبة على السنّة والشيعة عكسته مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن هذه النقاشات الحادة كانت قد استبقت حدث التفجير بعدة أسابيع عندما تم تداول فرضية قصف الجامع والمنارة إذا ما اقتضت ظروف المعركة ذلك.
الأصوات السنّية عبرت عن حزنها الشديد لتدمير أثر ديني وتاريخي، إضافة إلى ما تمثله المنارة من علاقة وجدانية مع سكان الموصل عبر هذا التاريخ الطويل من عمرها.

بينما استهجنت الأصوات الشيعية هذا المأتم التراجيدي الذي أقامه السنّة حسرة على تدمير المنارة، وحسب وجهة نظرهم ما هي إلا مجرد طين مفخور لا يساوي شيئاً أمام دماء أبنائهم الذين يسقطون يومياً في الحرب التي يخوضونها في الموصل نيابة عن سكانها.

ردود فعل كلا الطرفين جاءت كما لو أنهما جوقتان موسيقيتان تعزفان مقطوعتين مختلفتين في آن واحد بشكل سيئ.

وسط هذا الجدل الذي لا نهاية له كانت تتعالى أصوات من هنا وهناك تحمل الكثير من عبارات التشنج والإساءات، ساخرة ومستهزئة بمشاعر الطرف الآخر.

ربما يتساءل البعض عن العوامل والأسباب التي جعلت سكان العراق يستمرون بالعيش معاً تحت سقف وطن واحد طيلة المائة عام من تاريخ الدولة العراقية الحديثة على الرغم من هذه الانقسامات المذهبية الحادة فيما بينهم، وعلى الأرجح فإن ذلك يعود إلى سلطة الدولة وقسوة أجهزتها الأمنية في تعاملها مع سكان العراق، وهذا يشمل جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم هذا البلد دون استثناء، انتهاء بالنظام السياسي القائم الذي جاء بعد الغزو الأميركي عام 2003، ولعل النتائج التي تمخضت عن سياسات هذا النظام قد عمقت الشروخ القائمة ما بين مكونات هذا الشعب بكافة أطيافه، فلم يعد الانقسام مقتصراً على السنة والشيعة، بل تعداه إلى بقية الأديان والقوميات والأقليات، وإذا ما بدا على سطح الصورة العامة توافق قائم بين هذا الطرف وذاك، فهذا مرتبط بظروف الصراعات والتوافقات السياسية المشروطة بفترة الانتخابات النيابية أو المجالس المحلية، وما أن تنتهي هذه الحفلة تنفرط عرى التوافق ما بين المتآلفين.

سيكون من الصعب أن يستمر العراق موحداً طالما العلاقات ما بين مكوناته قد وصلت إلى مرحلة متأزمة ربما ستؤدي إلى حالة من الاحتراب في مرحلة قادمة، وعلى الأغلب لن تكون بعيدة عما ستتمخض عنه المعركة العسكرية التي يخوضها الجيش العراقي ضد تنظيم الخلافة (داعش) في الموصل، فالنزاع ما بين سلطة بغداد وحكومة إقليم كردستان لا يحتاج إلى أدلة للإشارة إليه، وملفاته التي تتعلق بقضية نفط الإقليم والاستفتاء على حق تقرير المصير بالنسبة للكرد إضافة إلى قضية المناطق المتنازع عليها، والتي تكفي ولوحدها لكي تكون منطلقاً لصراع مستقبلي يحمل الكثير من الصور المرعبة فيما لو وقعت الواقعة، خاصة أن هناك الكثير من الأطراف محلية وإقليمية ودولية تلعب دوراً واضحاً في تأزيمه وعدم حلحلته، لعل أبرزها إيران وتركيا والولايات المتحدة الأميركية، هذا إضافة إلى قيادات في الحشد الشعبي العراقي ما تنفك بين فترة وأخرى تطلق تصريحات تحمل الكثير من عبارات الاستفزاز والتهديد باجتياح إقليم كردستان.

وما بين هذا الصراع القومي (العربي الكوردي) يبقى الانقسام الطائفي الحاد (السني - الشيعي) متصدراً المشهد العراقي ولا يمكن للمهرجانات المشتركة التي تقام بينهما تحت شعار (إخوان.. سنة.. وشيعة هذا الوطن ما نبيعه) أن تلجم هذا الانقسام، أو تتفادى تأثيراته ونتائجه المستقبلية على وحدة الوطن العراقي.

ونتيجة لتعقيدات المشهد العراقي بإطاره السياسي كان من الطبيعي أن تشعر بقية المكونات الأخرى بالخوف على مستقبل وجودها في وطنها الأصلي مثل المسيحيين والأيزيدية، ومن هنا بدأت تتعالى أصوات تمثل هذه المكونات تطالب بإقامة فيدراليات أو كانتونات لتفادي ما يمكن أن يسفر عنه الاحتقان ما بين السنة والشيعة من جهة والعرب والكرد من جهة أخرى.

في نفس الوقت هناك الكثير من الأصوات المحسوبة على القوى العربية السنية ما عادت تخفي أجندتها في إقامة إقليم على أسس طائفية أو الانفصال عن الدولة العراقية، مبررة ذلك بغياب النية الصادقة لدى التحالف الوطني الشيعي الحاكم في العمل، وفق قيم الشراكة الوطنية وما ارتكبته حكومة بغداد من عمليات تهميش وإقصاء بحق العرب السنّة، هذا إضافة إلى ما لحق المناطق التي يشكلون فيها الأغلبية السكانية من دمار كبير.

سننتظر حسم المعركة العسكرية مع تنظيم داعش، التي وصلت إلى نهايتها، ولم يبقَ سوى ساعات على إعلان نهايتها لصالح القوات العراقية، وعندها سنقف أمام مرحلة سياسية أشد وأعقد من التي واجهتها الدولة العراقية منذ تأسيسها، فإما أن تقف على قدميها أو ستفقد بعض أطرافها.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.