المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروان حراز Headshot

السلام عليكم سيريلانكا "3"

تم النشر: تم التحديث:

كان كشك بيع جوز الهند في مكانٍ ليس ببعيد عن «المسجد الأحمر»، أو جامع مسجد الألفار، كما يُطلق عليه أيضاً. كان جوزاً برتقالياً من النوع الذي يُسمَّى «الملكي»، وكان أكبر من أي جوز حملته في حياتي، وكان بداخلها ما قد يملأ عبوتين كاملتين من ماء جوز الهند. جلست في «التوك توك» لأنقذ نفسي من أشعة الشمس الحارقة فيما أستمتع بمشروبي. نظرت إلى يميني فرأيت السائق يتناول مشروب جوز الهند الخاص به في لمح البصر؛ فأنهيت مشروبي سريعاً أنا أيضاً.

كان هناك مبنى رائع شاهق بمزيج من الأحمر والأبيض أمامنا. اتضح لي حين دخلته أنَّه كان مسجداً سياحياً؛ فقد كان بداخله لافتات توضح الأماكن المسموح لنا بزيارتها والأماكن الممنوعة، بالإضافة إلى لافتات تنبه الزائرين إلى خلع أحذيتهم..

في هذا الوقت من النهار كان هناك العديد من الزائرين ينتشرون في أنحاء المسجد يصلون منفردين، وعدد قليل آخر من الناس يعدون أنفسهم للصلاة بالوضوء.

أنا معتاد على استخدام الأحواض في الوضوء، لكن هنا كان الأمر أكثر بساطة؛ فهم يستخدمون أحواضاً تشبه حمامات السباحة الصغيرة على جوانبها آنية بلاستيكية يجلس أمامها الناس في وضع القرفصاء ويتوضأون. وبعد قليل انطلقنا إلى زيارة المعابد البوذية والهندوسية، وكان هناك ثلاثة منها: معبد «غانغرماي»، ومعبد «سيما مالاكا»، ومعبد «كابتينز غاردن» الهندوسي. تتميز المعابد الثلاثة، بطبيعتها، بعمارة بديعة.

في زيارتنا رأينا أناساً يصلون ويتأملون. شرح لنا السائق الأمر قائلاً إنهم يصلون لآلهة معينة لأجل أغراض معينة. وأعطانا مثالاً على ذلك حين أشار إلى أحد «الآلهة» موضحاً أن الناس يصلون له طلباً لصفاء الذهن أو المعرفة حين تقترب اختبارات الدراسة. وفي أحد المعابد كان الكهنة يتحركون بحرية، وكان بداخله متحف يحتوي على آثار، وثلاثة من تماثيل بوذا: السريلانكي، والتايلندي، والصيني.

كان جو المعبد يملأه السلام والراحة فكدت أغفو وأنا واقف في مكاني. وبعد أن حاولنا منع أنفسنا من النوم، انطلقنا إلى متجر الهدايا التذكارية بالقرب من المعبد. كنا قد خططنا لألَّا نشتري أي شيء ونقتصر فقط على المشاهدة، لكن انتهى بنا الأمر، بطبيعة الحال، وفي أيدينا من المشتريات أكثر مما نحتاج بكثير. اشترينا الشاي، ومغناطيس الثلاجات، وسلاسل المفاتيح، والأساور، وملأنا «توك توك» خشبي كامل بما كنا نحمله. عُدنا من السوق بقلوب سعيدة، ومحافظ حزينة.

بعدها كانت محطتنا الأخيرة في الرحلة: ميدان الاستقلال. يبدو الميدان مصمماً لتمر عليه فقط في زيارتك؛ فليس فيه شيء تستكشفه، لكن المكان كان مليئاً بالسائحين من كافة أنحاء العالم، أتوا ليلتقطوا صوراً للعمارة الجميلة التي تروي تاريخ سريلانكا. أخبرنا السائق أن إحدى هذه الصور كانت لـ«بوذا»، الذي مكث يتأمل حتى لم يعُد «بوذا».

كانت الصورة لرجل يبدو صحيح الجسد، يتأمل بسلامٍ ويفقد وزنه شيئاً فشيئاً حتى لم يعُد يُرى منه شيء إلا هيكله العظمي. كنت أظن أن السائق قصد أن «بوذا» قد تأمًّل حتى وصل إلى «النيرفانا»، لكني لم أكن متأكداً.

عندها حان الوقت للافتراق عن صديقنا الجديد الذي أوصلنا إلى الفندق بابتسامة واسعة. تبادلنا أرقام الهواتف حتى نتصل به، أنا أو أصدقائي، إذا احتجنا إليه. يبدو أنه متخصص في مرافقة السياح.

أخذنا أمتعتنا وذهبنا إلى محطة القطارات لنركب القطار المتجه إلى «غالي». وبعد أن وصلنا وحجزنا التذاكر، اكتشفنا أن أول قطار يتحرك بعد ساعة ونصف الساعة. وبما أنَّه لم يكُن أمامنا سوى المكوث هنا، قررنا التحلي بالصبر. لعبنا معاً على هواتفنا بينما كان أهل البلد يشاهدوننا ضاحكين. وبعد ساعات من الانتظار، أخبرتنا السيدة الجالسة بجانبنا أن القطار المتجه إلى «غالي» قد غيَّر الرصيف الذي سيقف عنده.

وفي لمح البصر وجدنا الجميع يركض على الأرصفة ليلحق بمكان في القطار، لكننا قد تمكنا في النهاية أن نجد كراسي نجلس عليها ونضع أمتعتنا. استغرق القطار أكثر قليلاً من ساعة، وبينما نحن في الطريق كان أحد أهل سريلانكا يسليني بحكاياته عن نفسه وهو جالس بجانبي. قال لي إن الكثير من النساء السريلانكيات قد اضطررن إلى مغادرة بيوتهن للعمل خادمات في السعودية، وعمان، ودبي؛ إذ لم تكن الوظائف متوفرة في بلادهن.

وقد اضطر هو نفسه إلى مغادرة بلدته والعمل في «كولومبو» مرشدأ سياحياً، لكنه كان سعيداً لأنها كانت رحلته الأخيرة قبل المعاش. وفي طريقنا رأينا سريلانكا على حقيقتها: بلد آسيوي تقليدي يتميز بمناخه الموسمي. كنا نشاهد الكثير من الأشجار في كل مكان، ونرى بحيرةً بعد بحيرة طوال الطريق. كان الكثير من الناس يصطادون ويسبحون في المياه، ومعظمهم يعيشون في أكواخ. لاحظت أن هناك صفاً غريباً مريباً من المقابر في حدائق بيوتهم، يبقون فيها آباءهم وأجدادهم الميتين.

في اللحظة التي وطئت فيها أقدامنا «غالي» هجم علينا سائقو سيارات الأجرة، الذين كانوا يقودون «توك توك» في الحقيقة. وبما أنه لم يكُن هناك سيارة تاكسي حقيقية على مرمى البصر، ذهبنا مع سائق «توك توك» أكد لنا أننا وأمتعتنا سنجلس مرتاحين في عربته الصغيرة. الغريب أنه كان محقاً، وكنا عندها في طريقنا إلى «أوناواتونا». كان المكان الذي سكنا فيه يُدعى «فيلا نهاية الأرض». كان صاحب المنزل وأسرته شديدي اللطف؛ فرحَّبوا بنا وحيَّونا، وساعدونا في ركوب «توك توك» إلى مطعم هندي يقدم أكلاً حلالاً لنتناول العشاء.

كان الطعام لذيذاً والمطعم كامل العدد، لكننا لم نأكل طعامنا على مهل لنستمتع بالمكان؛ فقد قرر السائق أن ينتظرنا حتى ننتهي. كان من الضروري أن نقف وقفة قصيرة لنرش طارد الحشرات قبل أن نعود إلى المنزل سريعاً. كان الاستحمام هو آخر محطاتنا التي أزالت تعب اليوم بأكلمه وأرجلنا التي أصابتها القرحة، ثم شاهدنا حلقة من مسلسل «صراع العروش» قبل أن نخلد إلى النوم؛ فمغامرات جديدة تنتظرنا غداً.

هذه التدوينة منشورة باللغة الانجليزية علي مدونة مروان حراز للاطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.