المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروان المريسي Headshot

تأملات في جدال تويتري

تم النشر: تم التحديث:

مؤخراً حضرت أحد المؤتمرات الثقافية في العاصمة السعودية الرياض، وكان من حضور المؤتمر "مغرّدان" من تيارين مختلفين، أذكر أنهما تجادلا مرةً في فضاء تويتر جدالاً مريعاً، تحوّل إلى تبادل الاتهامات والتخوين و.. لم يبقَ إلا أن يتجه أحدهما إلى منزل الآخر ويخنقه بيديه!

رأيت أحدهما في جهة، وبعد دقائق رأيت الآخر وتذكّرت ذاك السجال التويتري العنيف بينهما، وتمنيت أن لا يلتقي أحدهما بالآخر، وما هي إلا دقائق حتى التقيا بالفعل، اتجه أحدهما نحو الآخر وكنت في وسط المسافة أتلفّت لعلّي أجد رجل أمن يحول دون الكارثة المقبلة، ولكن.. لم يحدث شيء من ذلك، التقيا وتبادلا الابتسامات، وانصرفا!

صحيح أنهما لم ينصرفا قبل إثارة موضوع الجدل مجدداً، إنما.. كان ذلك من باب:

"معلش.. أحترم وجهة نظرك، بس ما أوافقك الرأي".
"وأنا أيضاً.. أعرض رأيي ولا أفرضه".
"أصلاً أنا كل كلامي كان من باب إحقاق الحق فلا تاخد في خاطرك".
"لا لا أبد.. وأنا كلامي كان من باب الحرص على الُّلحمة الوطنية".

أنا (في سرّي): بس كده؟ ياهوووه!

لم أكن - قطعاً - لأتمنى أن أراهما يتشاجران، لكن الموقف صدمني بالفعل، كيف حدث هذا؟ هل كان كل ذلك التخوين المتبادل في تغريداتهما مبالغاً فيه؟ هل كان كلٌّ منهما يبحث عن الانتصار اللحظي وتصفيق المتابعين؟

ربما لم يكن مبدعو برنامج "مسامير" الكرتوني مبالغين حين عبّروا عما يقوم به بعض المتابعين في تويتر من تأجيج لأي خلاف بهذا المشهد؛ حيث يقف أحد المتفرجين ويصرخ "اجلد.. اجلد" ويضيف مصطلحاً آخر "نص الجبهة" وهو تعبير عن انتصار الطرفين على الآخر حتى لكأنه قصفه في منتصف جبهته، لكن الجزء الأخير من هذا المشهد القصير ينم عن وعي جزء آخر من المتابعين؛ حيث يقف شخص آخر ويقول: "خلاص يا خي" ثم يلتفت ليسأل الحضور: "مين المعتوه هذا؟".. الأمر الذي يثير التساؤل:
هل يمكن أن نراهن على وعي هؤلاء وإن كانوا قلة؟

مفهوم "نص الجبهة" هو مفهوم جديد، وهو وإن كان في جانب منه يعرّي فعلاً كثيراً من السيئين والمسيئين، إلا أنه في جانب آخر يطفح بكمٍّ هائلٍ من التنمّر، وهذا المفهوم جعل بعضهم ينشئ حساباً في تويتر بنفس الاسم "نص الجبهة" يقتنص فيه بعض تلك التغريدات التي يرد فيها أحدهم على الآخر رداً مفحماً، ويوضح صاحب الحساب بالصور من القاصف ومن المقصوف، وتحظى هذه الحسابات بعشرات الآلاف من المتابعين، أستطيع أن أقول إن جلّهم من المتنمرين.

أعود إلى صاحبيّ، وأتساءل:

هل كانا حالة فريدة؟ هل كانا ليتعاركا فعلاً لو كانا شخصين آخرين؟ أم أنهما استطاعا بكثيرٍ من التروي الانتصار على تصفيق المتنمرين؟ وربما يجدر التساؤل أيضاً: هل كانا يخادعان المتابعين على طريقة "الجمهور عاوز كده" وإن كانا غير مقتنعين بالحجج التي يسوقانها؟ ثم هل يبحث كلٌّ منهما عن إحقاق الحق وإن كان عند صاحبه أم يصر على الانتصار لنفسه ولمتابعيه - الذين لا يحب أن "يتفشّل" أمامهم - وإن حرص على تجييش بعض المغردين "الكبار" لتأييده؟ ثم كيف يكون الانتصار أصلاً في مثل هذه الجدالات؟ هل يكون تقييمه بعدد من قاموا بإعادة التغريد "ريتويت"؟!

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتخمين أو حتى ترجيح الاستطلاعات، بل تحتاج إلى دراسات مكثفة لسلوك المستخدم تشمل تفاصيل أكثر يمكن من خلالها بناء تصور أكثر عمقاً ووضوحاً، وأكثر إرشاداً إلى التصرفات المثلى الواجب اتخاذها لحماية المجتمع من التناحر؛ وإن لم ينتقل من عالم تويتر إلى العالم الحقيقي، فإنه سيظل ذا أثر نفسي سلبي على الفرد، فهل يدرك الباحثون المتخصصون ذلك؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.