المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 مروان الغفوري  Headshot

مستقبل الوحدة اليمنية بعد التحرير 2/2

تم النشر: تم التحديث:

عملت جهة منظمة، خلال السنوات الماضية، على اغتيال كبار ضباط جنوب اليمن. ثمة تقارير محلية قدرت عدد الضباط الذين جرى اغتيالهم بأكثر من 300..
بالتوازي، عمل نظام صالح، منذ حرب 1994، على الحيلولة دون ازدهار الصحافة في الجنوب. ساعة أن قرر الحوثي، مسنوداً بالتشكيلات العسكرية الخاضعة لصالح، اجتياح مدن الجنوب كان الجنوب قليل المناعة. وبدلاً عن أن يهب ضباط الجيش إلى حمل السلاح وتنظيم الصفوف هرع السلفيون إلى المنابر وحشدوا المقاومين، طبقاً للرواية التي كتبها نائب رئيس مجلس المقاومة في عدن. بقيت في عدن جماعة صغيرة من الضباط، وجماعة أقل حجماً من الصحفيين والكُتاب. هذان العَجزَان مكنا الميليشيا القادمة من الشمال، والمشاريع السياسية المتناقضة القادمة من الجنوب، من الهيمنة والتقويض. كان الحوثيون يسعون لتقويض أسس الدولة، كل الدولة، وتفكيك الجمهورية، وكان الخطاب السياسي العدمي والمتناقض القادم من الجنوب، عند مستوييه النخبوي والشعبوي، يضمن للحوثي نتائج جيدة لعمله.
الفراغ الذي تركته الصحافة الغائبة في الجنوب، باستثناءات قليلة، لم يصنع جنوباً حصيناً. يضاف إلى ذلك الجدار الشاهق من الوهم والتناقضات حقيقة أن فكرة الاستقلال صارت نظرية بلا فلاسفة، وحتى بلا أدبيات. لا يمكن القول إن ما يكتبه "عبد الرحمن الجفري" يمثل أساساً نظرياً، فآخر خطاب كامل للرجل في عدن كان في العام 2006، قال فيه إنه سيقف إلى جوار صالح، إذ لا يوجد من هو أفضل منه في كل اليمن. وعندما يفكر الكاتب بمناقشة فكرة الاستقلال لا يجد وراءها عقولاً مسؤولة يمكن الإحالة إليها، باستثناء الخطاب الشعبوي وهو، على عفويته، متناقض وعصي على التجميع. وهو ما يفسر نأي كاتب كبير، مثل حبيب سروري، بنفسه عن تلك النظرية كليًّا.
بينما كان الحوثيون يقتربون من عدن ولحج، كان الساسة الجنوبيون يتحدثون عن وعد الحوثي، وذهبوا للقول بأن ما جرى في العاصمة هو حرب (شماليةـ شمالية) يريد أطرافها نقلها إلى الجنوب، معتبرين الرئيس والحكومة مجرد طرف صراع لا علاقة لها بالجنوب. في الفوضى تلك، والحوثي يعلن النفير العام بالتوازي مع تصريح لـ"علي ناصر محمد" يتمنى من خلاله تأسيس تحالف بين "شعب الجنوب والشعب الحوثي" كما نقلت صحيفة الأمناء العدنية، في تلك الفوضى لم تقرع الأجراس كما ينبغي، أو قرعت على نحو وجل وواهن.

تحرك الحوثيون في ذلك الفراغ، في التشويش الرهيب الذي صنعته المقولات السياسية المتناقضة حول الاستقلال واستعادة الدولة والغزاة الشماليين. لا مناعة، فقد بدا الجنوب ساعة الانقضاض عليه واهناً، وانعزالياً لا يوجد فيه من يقرع الأجراس سوى مجموعة واهنة الصوت. ارتفعت الكوميتراجيديا ذات الطبيعة الانعزالية حد تشكيل رابطة لكتاب القصة القصيرة في عدن، قالت في بيان تدشينها إنها ستعنى بالإبداع القصصي في الجنوب والوطن العربي. انكب الخطاب السياسي في الجنوب على جملة واحدة رافضاً الاعتراف بالتاريخ والسياسة: استعادة الدولة. تجسدت الصورة الأكثر مأساوية للفوضى والفراغ في أول تصريح للعميد "النوبة"، القائد العسكري الجنوبي في شبوة، غداة وصول الحوثيين إلى عدن. من خلال اتصاله بقناة العربية -الحدث قال النوبة، وهو من مؤسسي الحراك الجنوبي: نحن سنقاتل من أجل استعادة دولتنا، دولة الجنوب، ومن أجل الاستقلال، والفيدرالية، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.
مشهد الحرب يفضي، ببطء، إلى عملية سياسية. ستجري العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي. ألف صوت في الجنوب، ولكل صوت ألف لحن فشلوا في تأليف أغنية واحدة. من التناقضات المستعصية لا يمكن للمرء أن يؤلف سيمفونية. هكذا بقي الخطاب السياسي، خطاب الاستقلال، انعزالياً وتائهاً ومتناقضاً وغير قادر على الإقناع. ستنهي التسوية، وهي تجلس على نهر واسع من الدم، أحلام صالح بالحُكم، وأحلام الحوثي بالهيمنة، وأحلام البيض بالأوبة. فلن يحصل أي من الثلاثة على الدولة التي تخيلها. هذا الختام التراجيدي هو من صنع المقاومة في الشمال والجنوب.
من جهة أخرى يوجد تجمع سياسي جنوبي يؤيد فكرة الدولة الوطنية الكبيرة بنظام غير مركزي. هذا التجمع، وهو واضح الخطاب والملامح وإن كانت عناصره متنوعة، أعلن خلال الأيام الفائتة الانخراط في تكتل وطني جديد يتألف من 13 حزبا وجهة سياسية. لكل حزب/جهة في التكتل حضوره في الجنوب والشمال، من الاشتراكي حتى الإصلاح مروراً بالتيار السلفي والحراك الجنوبي الوحدوي.

يوماً وراء آخر يتضاءل حضور الخطاب الانعزالي ويعجز عن الإقناع. بينما سيدفع طول أمد الحرب وطريق الآلام اليمنيين في الشمال إلى القبول بفكرة التعايش مع الحوثي كجماعة داخل المجتمع، لا أعلى منه، متخلين عن الرغبة في استئصاله. وفي الجنوب سيتجه الناس، هرباً من الإحباط واليأس ومزيد من الخيارات المبهة، إلى القبول بنتائج عملية سياسية تعيد توزيع السلطة أفقياً، وتخرج صالح من المشهد وتبشر بمستقبل أكثر استقراراً. إذا نجحت العملية السياسية في جلب الزبيدي وشائع من عدن إلى صنعاء في الزي الرسمي، ولو لبضع ساعات، فستكون الوحدة اليمنية قد عبرت الجسر. وذلك، ربما، ما سيحدث.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.