المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة صبري Headshot

تفاءل ولا تندم

تم النشر: تم التحديث:

في يونيو الماضي مرّت ذكرى وفاة خالد سعيد. ذلك الشاب المصري الذي قُتل على يد "داخلية مصر"، في شوارع مصر وعلى مسمع ومرأى من شعبها. كان الجبن سيد الموقف. وكان الجبن سيّد الشعب. ماذا نتوقع من أجيال تربت على "من خاف سلم"، و"امشي جنب الحيط لحد ما يجيك الفرج"، و"الحيطان لها ودان"، بل و"إن جالك الطوفان ارمي ابنك تحت رجليك".

هذا المثل الأخير هو مرجع الخسّة والندالة الذي يحتج به كل منافق. فالإنسان لا ينافق إلا خائفًا وخاصة على نفسه. طالما رسّخت الخوف في نفوس شعب، تملكته وحركته يمنى ويسرى كدميّة مسرح العرائس.

في يناير 2011، جهر الشعب المصريّ بأنّه يحمل مقصاً قطع به حبل تحريك تلك العرائس. لكنّ الخيوط في مصر كانت سميكة والمقص الواحد تفكك بمقصات صغيرة وضعيفة وقعت على رأس الشعب وحصدت أرواحًا بريئة.

كم من خالد سعيد لقيّ حتفه منذ ذلك الحين؟ كم من سيّد بلال مات تحت التعذيب دون حساب؟ الأعداد في تصاعد. وكلما نظرنا تحت أرجلنا على الدماء المسكوبة، وكلما أطرقنا السمع إلى الآهات المكلومة من السجون ومن أهالي الشهداء، كلما تساءلنا عن سبب التفاؤل الجارف الذي تملكنا، أنكفر بيناير ونندم عليها؟ هل كان الحلم ساذجًا؟

يا أيّها الذي كنت يومًا متفائلًا، لا تندم. فمن لم يؤمن بحلم يناير هو الخاسر، وإن كسب أرضًا فقد خسر حب العدالة وحب المبادئ قبل نفسه، لقد خسر احترامه لنفسه إذ لم يكن من الثائرين على الفساد.

أتريد دليلًا على حسرته؟ انظر إلى همّه في 30 يونيو، كان أكبر هدف له هو أن يلتقط صورًا لنفسه في الميدان وهو يحمل علم مصر. ذلك العلم الذي أساء له بمناصرة كل ظالم يتلاعب ببلاده ويحرم أهلها حقوقهم. كانت لحظة التقاط الصورة والمباهاة بها هي خطته في استرداد كرامته ورفع رأسه.

والحقيقة أنّ صوره حازت إعجاب أصدقائه وقتها، لكنّ الدنيا دوّارة والسجادة تسحب من تحت قدميه ويحاول ألا يقع فيتمسك بهواء، مثله سيترك هذه الدنيا إمّا متفرجًا أو مهللًا لظالم، فدعه فمن ندم أخيرًا ندم كثيرًا، أمّا أنت فلا تندم.

نعم لقد كنّا سذّجًا كشعوب عربية ثائرة تظن أن الخروج إلى الميادين سينهي الظلم الغاشم ببعض التضحيات. لقد كنا سذّجًا حين حلمنا بتغيير كبير في وقت قصير وبدون قيادة ومطالب موّحدة.

كان الحلم كبيرًا واستشعرت الشعوب قوتها وقوة إرادتها، لكنّ حداثة التجربة ملأتنا غرورًا فلم نحسب لردة فعل الخصم حسابًا. الخطأ لم يكن في الثورة ولا في الخروج إلى الميادين، الخطأ كان في التأخر فيهما حتى تمكن الفساد من مفاصل الدولة وامتلكها بشعبها، ثمّ الهوّة الأكبر كانت في ترك الميادين بوعود لا أفعال.

نعم كنا سذّجًا لكننا لم نكن مغيبين. فمن حق الشعوب أن تحلم وأن تصرخ ومن حقهم أن يستمع لهم وأن تحترم إرادتهم. إن لم يؤدّ الصراخ إلى تغيير فيجب على كل عاقل ذي ضمير حيّ أن يعلي من الصرخة لا أن يكتمها. يعلي من الصرخة لكن يخطط لها الوقت والمكان المناسبين. يعلي من الصرخة ولا يظن أنّ خصمه استسلم وإن تبسم في وجهه.

كنا يدًا واحدة، وكنا قلبًا ونفَسًا وحلمًا واحدًا. أيّ طريق ديمقراطيّ كان من الممكن تعديله، لكن تسليم خارطة الطريق لمن ثار عليه الشعب أدى إلى دولة لا تحتمل إلا رأيًا واحد، وتلخص الوطنية في شخص واحد، والوطن في فصيل واحد، وعلى المتضررين اللجوء لله لا إلى القضاء، فالقضاء في بلادي مسيّس.

لا تندم على القلق والفرح والليالي الطوال التي مرّت بلا نوم تحسبًا للهجمة القادمة من النظام على الثوار خلال أو في أعقاب 25 يناير 2011. لا تندم على تحمسك لشخص أو حزب وإن خذلوك فيما بعد. لو كان الدرس الوحيد الذي خرجنا به هو أن نعلق قلوبنا بالمبادئ الراسخة لا الأسماء المتغيرة فقد نضجنا كشعب.

يكفي أنّنا علمنا أن مَنْ خاف لم يسلم، وأنّ السير بجانب الحائط لم يعد آمنًا؛ إذ إنّ يناير هددت الحائط بالإسقاط. يكفي أنّ وضع ابنك تحت رجليك لن ينجيك من الطوفان، وأنّ هناك من تحدوا آذان "الحيطان" وجهروا بالحق ودفعوا أعمارهم وأمنهم ومالهم وكل من يحبون ثمنًا ولم يتراجعوا. فكيف يحترم عدوّ يناير نفسه إلى جانب هؤلاء البواسل؟

إن كان الشعب المصريّ فشل في استكمال ثورة يناير حتى الآن، فيجب أن ندرك أنّه فشل مؤقت وأنّ أخطاءه علّمت الشعوب درسًا أكثر واقعية، وهو أنّ الثورة تحتاج لتخطيط واتفاقيات عاقلة محسوبة، وأهم شيء تحتاج إلى وحدة أهداف ووحدة قيادة. يجب أن يخطط لنجاحها ولفشلها.

نعم كنا سذجًا، لكننا نفخر بتلك السذاجة التي هزت عشّ الجبن الذي تربينا فيه، وسحبت عقد الأمان من تحت أقدام الفاسدين ولو لفترة من الزمان. يا أيها الذي كنت متفائلًا.. لا تندم فتفاؤلك كان هو البداية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.