المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة صبري Headshot

الانتخابات الأمريكيّة والاختيارات الخادعة

تم النشر: تم التحديث:

مازال المتابعون لاستعدادات الانتخابات الأمريكية 2016 في صدمات متلاحقة من فجاجة تصريحات المرشح الجمهوري دونالد ترامب. هذا المرشح الذي يزيد من فرص منافسيه في السباق الرئاسي الأمريكي مع كل تصريح له.

تصريحات ترامب قد لا تضر بفرصه في الترشح كممثل رسميّ للجمهوريين فحسب، بل استغلها الديمقراطيون في أول مناظرة رسمية لهم قدمها أندرسون كوبر على "سي إن إن". فبينما بنى ترامب خطته الانتخابية على تشويه منافسيه والظهور بمظهر الحاسم الذي لا يرحم أي أقلية تمس "المصلحة العامة" للأمريكيين، بدا الديمقراطيون في مظهر أصحاب المبادئ الذين يحترمون جميع الأقليات ويُعِدّون الاعتراف بحقوقهم هو السبيل للتقدم لتوحيد الشعب الأمريكيّ.

صرح بذلك مارتن أومالي المرشح الرئاسي الديمقراطي الحالي والحاكم السابق لولايه ميريلاند. ففي نهاية المناظرة أظهر أن اختلافه مع منافسيه من الديمقراطيين هو من سبيل البحث الأمين عن حلول لمشاكل البلاد، وأنّه لم يقلل أي منهم من مكانة المرأة أو بإلقاء ملاحظات عنصرية ضد المهاجرين الجدد لأمريكا أو ضد أي أمريكيّ آخر لاختلاف دينه.

هذه الوحدة التي تعمد أومالي إبرازها تدل على حرص الديمقراطيين على فوز أحدهم. أي منهم. وهذا ينم على قلق حقيقيّ بعد اكتساح الجمهوريين لهم في انتخابات 2014. صحيح أنّهم يحللون ذلك بأنّ الكثير من الديمقراطيين ينتمي لفئة الشباب وهؤلاء لا يتحمسون إلا في الانتخابات الرئاسيّة والقضايا الحاسمة للحريات، لكن العزوف عن الانتخاب خطر يستشعره المراقبون وبخاصة الديمقراطيين.

لتوضيح رؤية قطاع يتزايد من الليبراليين الأمريكيين الذين يرون أنّ الحزب الديمقراطيّ خذلهم، وأنّ الفروق بينه وبين الجمهوريين تتضاءل، دعوني أشارك هذا الموقف، في أعقاب حركة "احتلوا وول ستريت" التي بدأت في نيويورك يوم السابع عشر من سبتمبر2011، كنت أقوم بتغطية مظاهرات مناهضة لزيارة شيمون بيريز لسان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. ممن قابلت كان شابًا من منظمي تلك المظاهرات وكانت انتخابات 2012 على الأبواب. سألته: "من ستنتخب؟". فأجاب بثقة: "لن أنتخب، فأنا أرفض الانتخاب في ظل هذا النظام الذي لا يأتي إلا بمن يعمل لمصلحة الشركات الكبرى". تابعت: "لكن هذا النظام قد يحتاج إلى ثورة ليتغير". ابتسم وقال: "وأنا هنا لبنائها".

المتابع للحركات الشعبية الأمريكية والتي يمكن للمهتم البحث عنها تحت اسمGrass Root Movements سيوقن بأنّ صوت المعارضة في أمريكا يزداد قوة وعلوًا وتوحدًا، وكلما ارتفع، قل عدد الناخبين.

فمعرفة حقيقة الأمور تشعر بالغثيان. هذه الدولة الكبيرة التي تقدم نفسها على أنّها راعية الديمقراطية في العالم ليست نموذجًا يحتذى به في الديمقراطية ولا في حرية الرأي. فاختيار الرئيس أبيض كان أو أسود، رجلًا كان أم امرأة، مرهف الحس دامع العينين مثل جو بايدن أو عديم الإحساس مثل بوش، في النهاية لا يغير إلا في قضايا محدودة، فالرئيس لا يحكم. حتى أشد المتعصبين لأوباما كلما ووجهوا بمذابحه ضد المسلمين ووعوده الخارجية التي خلفها واحدة تلوّ أخرى، برروا بأنّه لا يملك القرار. إن كان رئيس الجمهورية لا يملك القرار فمن يملكه؟

الإجابة تظهر في المستفيدين من اللوبي الصهيونيّ وأصحاب الشركات الكبرى للتأمين والأدوية وأصحاب البنوك ومصانع الأسلحة وغيرهم من ذوي النفوذ. هؤلاء هم من يحكمون الولايات المتحدة التي تحكم بدورها العالم. إذًا، فاختيار رئيسة تقدميّة ليبرالية كما وصفت كلينتون نفسها، أو رئيس اشتراكيّ ليبراليّ كما وصف ساندرز نفسه، أو حتى دونالد ترامب الشخصيّة "المتديّنة المحافظة"، لن يغير إلا أسلوب الخطابة في البيت الأبيض، بالإضافة إلى ما لا يمس مصالح مستفيدي الرأسماليّة.

هناك غضب حقيقي يتنامى في المجتمع الأمريكيّ وهو ما حذر منه رواد الحركات الشعبيّة التي تتوحد كل يوم لهدف أساسيّ واحد، وهو نزع الحكم من الشركات الكبرى ومن اللوبي الصهيوني ووضعها في مكانها الطبيعيّ في يد الشعب الأمريكيّ. هذا اليوم آت لا محالة. وعلى الرغم من تصريحات كلينتون بتحقيق ذلك أو بتضامن أوباما معه لفظًا، إلا أنّ هذه الحركات لا تخدع بهذه الشعارات، فقد ردعت حكومة أوباما وبها كلينتون تلك المظاهرات ولم تمس وول ستريت، فكيف تعلن نفس الشعار وتأمل أن يحقق هدفه في اختيارها، وعلى من سينطلي؟

هذا النظام الرأسماليّ التي امتدت جذوره القويّة في المجتمع الأمريكيّ فامتصت غذاء الطبقة الوسطى وأصحاب الأعمال الصغيرة، لا يمكن أن يقتلع برئيس. بل لابد من حراك شعبيّ يجبر حكومته على نزع سلطات الشركات وعلى وضع نظام يعمل بحق لمصلحة الشعب لا أصحاب النفوذ. حتى يحين ذلك اليوم، فالاختيارات أمام الناخب الأمريكيّ خادعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.