المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة صبري Headshot

لكل أيديولوجية خائنوها

تم النشر: تم التحديث:

كلما قارنت انتماءات المفكرين مع مواقفهم، وجدت التناقضات الظاهرة تحول دون الوصول إلى قواعد تلخصهم. فمصريّ ليبراليّ تجده يؤيد قمعاً للحريات تماماً كالأمريكيّ اليمينيّ المتطرف، وليبراليّ أمريكيّ يتفق مع قضية حرية تعبير كالإسلاميّ الملتزم، وهنا أدركت أنّني كنت أنظر إلى الأمور بصورة ضيّقة وفي اتجاه محدود، وأنّ الصراعات أساسها صراع مبادئ وأخلاق، لا أيديولوجيات كما يبدو. الأمر يدور حول تحرير العقل والنفس من قبول الظلم بكل أشكاله. والظلم أعم من أكل مال الغير، بل قمة الظلم أن تحَّرم على خصمك السياسي ما تحلله لحزبك، أو أن تسمح لانفعالاتك أن تشكل قرارك السياسي، أو أن ترى أخطاء أهل أيديولوجيتك فردية لا تتحمل نتيجتها، بينما تعمم حماقة أيّ ممن يخالفك على المعارضين جميعاً.
دعك من الأسماء. لا تقل هذا يساريّ فبالتالي مثقف، أو هذا إسلاميّ فبالتالي متدين، أو هذا ليبراليّ فبالتالي متحرر. فمن منّا لم يقابل اسماً وشكلاً لا يتسقان؟ فأنت تعامل إسلامياً لا يصدق لإسلاميته، وتعامل ليبرالياً لا يمانع في قمع غيره، وتعامل يسارياً يدعم نظاماً فاسداً مقابل المال. كلها نماذج موجودة تسبح أمثلتها في خيالك الآن.

يعزي البعض فقر المبادئ إلى الجهل، لكنّ الأدلة على خطأ هذه النظرية تحيطنا. فما نعزوه للجهل في البلدان العربية يوجد مثله في الغرب يرتدي "الجينز" على شعر أشقر وبشهادة جامعية مرموقة، وإذا تفوه ردّد نفس الخواء بحروف لاتينية، بينما تسمع أميّاً عربياً يتحدث بأفكار راقية، متزنة وبحب للعدالة. لو كان الخلاف أساسه الشهادات أو الانتماء الفكري لهانت، ففي هذه الحالة يمكن لأي دولة تبتغي النهوض تبني منظومة تعليمية لتيسير الاتفاق. إنّما في حالنا، كيف نعلم الإنسان الأخلاق وخاصة أنّه يدّعيها؟ كيف تقنع إنسانًا أنّ الظلم ليس حلًا؟ كيف تفهم إنسانًا أنّ الغيظ والشماتة ليسا موقفين سياسيين؟ أو أنّ الخوف من الخصم لا يجعل حياته أقل ثمناً ممن تتفق معهم؟ كيف تشرح له أنّ الكراهية لا تعدل دليل إدانة، أو أنّه ليس من أجل إرواء الغليل يختار الحاكم ويحدد مصير الشعوب؟

الانقسامات بين أبناء الشعب الواحد ليست سابقة تاريخية. فالولايات المتحدة لم تكن متحدة ما بين 1861 و1865، فقد اشتعلت فيها الحرب الأهلية وساءت الأوضاع على الجميع. وبعد مقتل 620.000 ألف روح وإصابة أكثر من مليون شخص، توصل القادة إلى أنّ العدالة والمساواة هما السبيل للتآلف والتقدم، وهما مبدآن أخلاقيان يسعان جميع الأطراف.

كلما ارتقى أدب الشعوب حقنت الدماء، وكلما ثبت الإنسان على مبادئه استطاع التعامل مع المختلفين. فأرضه الثابتة تأويه وقت تأرجح الموازين. أمّا المقصرون في حق أنفسهم، فنجدهم لا يعرفون إلا مستنسخين منهم. ما يجمعهم بغيرهم هو الاتفاق على الفروع لا الأساسيات، وعلى الأشخاص والأحزاب والأجهزة لا على المبادئ. لا يقرأون إلا آراءهم، ولا يشاهدون أو يسمعون إلا صداهم. يتجنبون المختلف لأنّهم بالقرب منه يجبرون على مراجعة مواقفهم، وهي مطهرة موجعة للضمير.

ليس منا منصفاً ولا محقاً مطلقاً. صفوة العقول تبحث عن المشترك وتعمل فيه. يعون أنّ المساحة المشتركة بين البشر رحبة، تسع الجميع. فحاجاتنا متشابهة. نريد المأوى الآمن والمأكل والمشرب والدواء إذا مرضنا. نريد العدل والآدمية. أخبروني عن أيديولوجيا أو دين يأبى أيّاً مما سبق!
القاعدة الإنسانية الخالدة هي أنّنا لو أحطنا أنفسنا بالجمود، منعت عقولنا من التطور وقلوبنا من التراحم. فالإنسان لا يشعر بغيره إلا إن اقتربا. وما حدث بسبب الثورات العربية وانتفاضات الشعوب يجب أن يعلم كل منّا التواضع. فالسلفيّ صدم في كثير من السلفيين، والإخوانيّ صدّم في كثير من الإخوان، واليساريّ تنصل من كثير من اليساريين والليبراليّ احتاج أن يعيد حساباته في كثير من الليبراليين والعسكريّ والصوفيّ والعلمانيّ والمستقل،... ووسط كل هذا الخصام، يبقى أصحاب المبادئ على اتصال بعيداً عن التصنيفات المتكلفة المفرقة، وذلك بعد أن جردوا الخلاف وأدركوا أنّ لكل أيديولوجيا خائنيها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع