المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة صبري Headshot

ثوار الربيع العربي وثوار بانيم

تم النشر: تم التحديث:

لا أدري منبع إعجاب الغرب بقصة ألعاب الجوع Hunger Games لكن بالنسبة لي كعربيّة فقرب الحبكة والتفاصيل من واقعنا ولّد مزيجًا من المتعة والمرارة. القصة بالنسبة لنا ليست خيالًا من نسج الكاتبة سوزان كولينز بل أنّ تشابهها مع الواقع العربيّ عجيب. بانيم هي دولة يحكمها طاغية يقيم في العاصمة أو مقاطعة الرفاهية بينما يعيش غالب الشعب تحت خط الفقر. تنقسم الدولة إلى ثلاثة عشر مقاطعة كل منها مسئول عن منتج بحيث يتحقق الاكتفاء الذاتي. تزعمت المقاطعة 13 ثورة منذ عقود وفشلت، ولتأديب الشعب الذي طوّعت له نفسه الاعتراض على الظلم، استحدث الطاغية ألعاب الجوع السنويّة، فيتم السحب فيها من بين أبناء الشعب باستثناء أبناء الطبقة الحاكمة لتقدم كل مقاطعة شاب وفتاة تتراوح أعمارهما بين الثانية عشر والثامنة عشر، يتقاتلون بينما تعرض الألعاب على الشاشة وسط أجواء احتفالية في جميع الميادين العامة لمدة أيام تنتهي بموت الجميع ويتبقى فائز واحد.

ولكيّ تقترب الصورة فلابد وأن أذكر أوجه التشابه التي آلمتني وسأعتمد على قدرة القاريء على التحليل والمقارنة مع الواقع العربيّ:

بانيم تحت حكم ديكتاتوريّ لا يسمح بالتعددية ولا بالمعارضة.

يعيش الحاكم وحاشيته في رفاهية مفرطة بينما يموت شعبه جوعًا في الشوارع في غياب تام لدور الدولة في رفع معاناة الفقراء.

يتقاتل الناس أمام الجميع من أجل البقاء في صراع مفتعل من الحكومة بل وتستمد بقاءها من بقائه.

هناك مستفيدون من النظام فوق القانون شريطة أن يستمر رضا الحاكم عليهم.

منذ عشرات السنين تزعمت المقاطعة 13 ثورة ضد العاصمة الحاكمة. فما كان من الطاغية إلا أن استجاب بالعنف فردّ الثوار بكل ما استطاعوه من عنف مضاد.

زادت العاصمة من حدة الرد حتى قصفت المقاطعة الزعيمة فمحتها من فوق الأرض وبذلك أحكمت قبضتها على الجميع.

بعد القضاء على الثورة وعودة استقرار الحكم للطاغية، لم يتعلم الدرس ولم يرحم شعبه بل شدد قبضته أكثر وسلط "حفّاظ الأمن" على كل من تسوّل له نفسه التمرد أو مخالفة الأوامر.

الإعلام في بانيم هو صوت الحكومة لا الشعب. يبدأ الفيلم الأول بحوار تليفزيونيّ بين إعلاميّ شهير يدعى سيزر فليكرمان -يلعب دوره(ستانلي توتشي)-، مع مصمم الألعاب سينيكا كرين -يلعبه ويز بينتلي- وذلك قبيل اختيار المتسابقين. وعلى الرغم من أنّ الجميع يعرف أنّ هذه الألعاب كما قال الرئيس سنووّ "لكي يعرف الجميع أن لا أحد يستطيع هزيمة العاصمة مهما كانت قوّته"، فإنّ سينيكا قدّمها بصورة عاطفية حالمة فقال أنّها ما توحدهم وأنّها السبيل للتشافي من تلك المرحلة البشعة في تاريخهم. ولهذا النفاق العلنيّ، صفق الجمهور الثريّ كالعادة.

حين اتخذ سينيكا قرارًا يخالف هوى الرئيس بإبقائه على حياة بطل وبطلة القصة تمت تصفيته بلا هوادة وفي سريّة تامة.

كان موت رو الفتاة الصغيرة ذات الإثنتيّ عشرة عامًا بمثابة شرارة فجرت الثورة في مقاطعتها رقم 11. فقد كانت بصورتها البريئة، هزيلة في موتها ترق لها القلوب كما كانت صورة خالد سعيد في مصر وبو عزيزي في تونس.

كتعاطف مع كاتنيس وأمام تضحيتها بالتطوع في الألعاب بدلًا من أختها الصغرى فقد رفع أهل مقاطعتها ثلاثة أصابع تحية لها. تلك الأصابع الثلاث ترمز للشكر والإعجاب والوداع. ومن ثمّ أصبحت تحية الشعب لكاتنيس ورمز للثورة التي ما إن يراها حفّاظ الأمن حتى يجن جنونهم ويضربون أو يقتلون في التوّ ونستحضر هنا شارة رابعة.

الفائزون في ألعاب الجوع ينجون من الموت لكن لا ينجون من الحكومة. فيدفع لهم المال ويوفر لهم السكن وتسلط عليهم الأضواء للاستفادة من شهرتهم في توطيد أركان الحكم، ويصل الأمر أحيانًا إلى الاتجار بأعراضهم وإذلالهم بقية العمر.

اخترقت المعارضة إرسال الحكومة وبثت رسائل ضدها. فالصراع بشكل كبير إنما هو صراع سيادات إعلامية والغالب فيها يغلب.

حفّاظ الأمن لا يسألون عن قتلاهم من الشعب ما دام القرار في صالح دعم الحكم لكن منهم من يتعاطف مع الناس ويقدر ظروفه ويتسامح في تطبيق القوانين الصارمة.

إمكانيات الدولة الرقابيّة لمجتمع جائع تبرز أولويات حكومة بانيم. فالحكومة التي لا تمد اليد بمعاش لأسرة مات عائلها في حادثة عمل لا تتردد في الإنفاق على الرقابة على تلك الأسرة وخصوصيتها. فنجد من يريد أن يتحدث ضد الحكومة يتحرى أن يكون بعيدًا عن الآذان والأعين فـ"الحيطان" في بانيم أيضًا لها "ودان".

لم تكن حكومة بانيم بالقوة التي يصورها إعلامها الموجه ولم يكن إسقاطها مستحيلًا لكنّه كان مخاطرة مغمورة بالدماء.

هذا ما استوقفني من متشابهات لكن هناك فروقات لابد من ذكرها لتكتمل الصورة.

اختلافات بين ثوار بانيم والثوار العرب

بينما وصلت الكاتبة سوزان كولينز إلى نهاية القصة، ما زلنا كعرب نسطر حروف قصتنا. فبالنسبة لكولينز، فقد تعلم الثوار من أخطاء الماضي وأمضوا سنينًا في الخفاء يعدون العدة استعدادًا للثورة من جديد. لم يتسرعوا في مواجهات غير محسوبة، واختاروا قيادة موحدة ووضعوا آليات للحكم.

علم الثوار أنّ كاتنيس إفاردين شخصية قريبة من قلب الشعب فاتخذتها قيادة الثورة رمزًا لنشر فكرة الثورة وهز صورة النظام وفضح أعماله. لو كانت كاتنيس عربية لاتهمت بأنّها تابعة لكل الأيديولوجيات معًا ولخوّنت من الجميع.

اخترق الثوار الدائرة المنتقاة لمستشاري الرئيس واستطاعوا أن يحوّلوا الدفة لصالحهم بدهاء شديد بينما ثوار العرب لا دهاء ولا تخطيط ، معارضتهم لا تخرج عن دائرة فضح أعمال الأنظمة العربية الفاسدة أو مواجهات غير محسوبة.

بانيم على الرغم من الظلم إلا أنّها حققت الاكتفاء الذاتي وهو مطمح لا يحلم به عالمنا العربي.
أجمل ما في ثورة بانيم أنّها لا تعاني من تدخل دول أجنبية، أو أجندات خارجية، أو تهديد بقطع معونات عسكرية أو سحب استثمارات خليجية. الثوار غير مضطرين لقبول حماية جوية من الخارج في مقابل صفقة بترول فيما بعد. لا خوف من الحدود ولا خوف من غزو أجنبي على البلاد. حين أنظر لثورتهم من هذه الزاوية لا أملك إلا أن أحسدهم. ففي بلادنا كل فريق يدّعي الاستقلال التام عن الغرب ويزعم أنّ خصمه السياسي هو الذي عقد الصفقات. وفي الواقع العربيّ الأليم، لا تملك جهة أن تدّعي هذا الاستقلال فهو يعد رفاهية لا يملكها أي حزب سياسي يطمح للوصول للحكم بشكل سلميّ.

شعب بانيم موحد ضد الظلم بلا التباس. أمّا عندنا كعرب فالحق والباطل يأتيان على كل الألسن وأصحاب المباديء يبيعونها بين عشيّة وضحاها فيصبح من كان يتبعهم في حيرة لا يدري أيصدق مبادئهم أم يصدق أفعالهم.

في رأيي أنّ ثوار بانيم في مجموعة أفلام The Hunger Games كانوا أكثر حنكة من الثوار العرب وأكثر واقعية في تخطيطهم وفي توقعاتهم. أتمنى أن يقرأ العرب التاريخ ويتعلموا من دروسه فإن لم يكن، فليقرأو هذه المجموعة الخيالية فهي أكثر واقعية من رؤيتهم الحالية.