المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة صبري Headshot

لهذه الأسباب ..أحب حماي أكثر!

تم النشر: تم التحديث:

أفتقد والد زوجي الذي غادر هذه الدار الفانيّة مؤخراً وانتقل إلى دار القرار، قابلته قبل أن أقابل زوجي في لقاء عابر رتَّبه الله تعالى، تحدثنا وتناقشنا بعمق في مبادئ وقيّم حياتيّة، وأجاب عن نقاطي بصبر وبهدوء، لا أذكر تفاصيل النقاش، ولكنني أذكر الارتياح والاحترام المتبادل، ثمّ ذهب إلى زوجي ولم يقُل عني إلا كل خير، فكانت شهادته سبباً في لقائي مع مَن صار شريك حياتي فيما بعد.

مرَّت الأعوام وعلاقتنا جميلة محترمة، عاملني خلالها بكل ذوق ورقيّ، لم أسأله عن شيء إلا وبذل قصارى جهده في الإجابة أو في البحث عن إجابة عنه، لا أذكر حواراً له مع أحد إلا أولاه كامل الإنصات وكامل الاهتمام، وإن كان مشغولاً، ترك ما في يده وصار المتحدثُ مركز اهتمامه.

كان حين يراني منشغلة مع الأولاد يردد من قلبه: "الله يعينك"، كان مقدراً لمجهودي مع أحفاده، شاكراً للفتات لي لم أنتبه إليها نفسي، فقد كان -رحمه الله- لا يحب القيادة، وفي يوم كان بجواري وأنا أقود السيارة فظل يحرص على مشاعري، يستأذن في إرشادي إلى الطريق، وينتقي كلماته بحرص شديد: " خذي جانب اليمين.. (معلش) ممكن هدّئي هنا؛ لندخل في الشارع القادم، أستأذنك نقف بسرعة عند هذا المكان..." ولم أجبه إلا بـ"حاضر يا أونكل"، فوجدته متأثراً يدعو لي أن يكرمني ربي، وأضاف لو كانت غيرك لغضبت، ولكنّني لم أغضب أو حتى أشعر بأنّ الموقف يتطلب الغضب، بل إنّني بإرشاداته أنا التي اطمأننت، فقد كان له معرفة واضحة بالطرق، وكانت إرشاداته واضحة بصوت ثابت حتى لو أخطأت في دخول الشارع المناسب كان يقول بتأنٍّ: "ما جراش حاجة، ندخل من اللي بعده إن شاء الله".

من الطبيعي أن يفتقد الإنسان والده ووالدته، لكن لأن يصل والد الزوج فلا بد أن يكون شخصية منبسطة ومشجعة، فما هممت بعمل إلا وحثَّني عليه، كان يقرأ ما أكتب ويدلي برأيه فيه بحب واعتزاز، الآن وهو راقد بين يديّ الله ولم يبقَ منه إلا الذكرى، أسترجع حواراتنا معاً، وهنا أدركت ما لم أدركه من قبل، والد زوجي لم يكن يشكر في نفسه، بل تكاد حواراتنا لا تخلو من شكره لي على أيّ شيء ولو كان بسيطاً، بل وأسمعه يتحدث مع الناس عن هذا الشيء كأنّه كنز، وربما كان بعض الحساء فقط وهو موعك، حين نفتقد إنساناً مضى، أكثر ما نفتقده هو الشعور الذي كان يوصله لنا ونحن معه، ونتساءل: هل أدينا له بعض الذي وهبنا من تقدير؟ وهل قصرنا معه؟ أم أثقلنا عليه؟ والإجابة عن تلك الأسئلة تختلف بعد الفراق عن وقت الحياة.

حيث نعيش بعيداً عن والديّ زوجي، سألني قبل زيارته الأخيرة لنا إن كنت أريد شيئاً، "أيّ حاجة؟ انت بس تؤمري"، فطلبت منه نسختين من مصحف المتشابهات، إحداهما لي، والأخرى لصديقة لي كانت تبحث عنه أيضاً، وحين حضر وعلمت أنّه وجد نسخة وحيدة في مكتبة قريبة، واضطر للذهاب إلى السيدة زينب لإحضار نسخة أخرى، وما تكبده من لف وجهد، أنبني ضميري واعتذرت له مراراً، فقد تصورت أنّه طلب سهل حين طلبته، ولم يكن كذلك، أمّا الآن وبعد رحيله، تمنيت أن لو طلبت منه العديد من النسخ لأوزعها على أصدقائي الذين أعلم صدقهم في حفظ كتاب الله حتى يجعلها الله في ميزان حسناته، الآن عندي مصحفان عزيزان في البيت؛ الأول أرسلته لي أمي قبل رحيلها، والآخر من والد زوجي، كلما مررت في بيتي بأحدهما تذكرت كيف أنّ البر لا يبلى، وأنّهما تركا لي سبيلاً لأزيد من حسناتهما، رحمة الله على أمي وعلى أبي، وعلى والد زوجي، وعلى أمواتنا الأحياء في قلوبنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.