المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة صبري Headshot

سيناء، مسرح الأحداث

تم النشر: تم التحديث:

لأول مرة يتفق مؤيدو ومعارضو السيسي -حاكم مصر- على شيء؛ وهو أنّ ردة الفعل العالميّة على وقوع الطائرة الروسيّة في سيناء فاق المعهود. تعددت الشائعات وتراوحت تراوحًا كبيرًا ما بين جسم خارجيّ نزل من الفضاء على الطائرة، إلى أنّ إسرائيل ضربتها أو أنّ مصر باتفاق مع الإمارات فجّرتها لكن موعد التفجير كان محدد له أن يكون فوق الأراضي التركيّة للإيقاع بين تركيا وروسيا، كلها اتهامات لا يوجد دليل موثوق لتأكيدها في وسط فقدان الثقة السائد وإن كان التفسير الأخير هو الأكثر تناسبًا مع ردود الأفعال إلا أنّنا سنقف على أنّ داعش التي أعلنت مسئوليتها هي بالفعل التي فجرتها. النقطة الهامة هنا هي أنّ تداعيات الحدث أكبر من الحدث نفسه، فلننظر إلى الصورة الأكبر.

سيناء هي مسرح كثير من الأحداث. لا يمكن أن تذكر سيناء دون ذكر الكيان الصهيوني واحتلاله لها ثمّ ردها منقوصة السيطرة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد. سلسلة من المواقف والقرارات والتصاعدات في الوقت الحالي كلها تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي أنّ احتلال سيناء مع كل حدث يسهل أكثر وخسائره الممكنة على الصهاينة تقل.
كيف ؟

تواجد الجيش كطرف في الصراع السياسيّ بل والمقرر الأوحد لقوانينه وضعه في مواجهة مع المعارضين من الشعب المصريّ أفقدته قاعدة كبيرة من التفافهم، وهذا حال لم يخطر ببال. فقد وصل ترابط الشعب والجيش للذروة بعد ثورة 25 يناير، 2011 حين أعلن الجيش الجملة الشهيرة "تنقطع إيدينا لو اتمدت على حد فيكم!" تلك الجملة التي دمعت منها العيون وصارت مفخرة للشعب المصريّ، وموضعًا للتباهي بين شعوب الأرض حتى أنّ مواطنًا صينيًّا تساءل "كيف لا يقتلهم جيشهم بينما يقتلنا جيشنا، إني أحسدهم." والواضح أنّ الحسد جاء بمفعوله وذلك أنّ الجيش تورط تدريجيًا في الصراع حتى وصل إلى ما هو عليه الآن من أنّه الحاكم المتحكم الذي ينادى عليه في كل الأحداث، ومن يرضيه فهو مرضيّ ومن يعترض فهو خائن. هذه الصورة لم تصلح مع أهالي سيناء بالأخص. فالمجتمع القبليّ أبيّ يخاف على اسمه وعرضه وهو ما لم يراعيه البعض في الجيش مرارًا في مواجهات غير محسوبة. هذه المواجهات أدت إلى أحداث انتقاميّة كردة فعل دفع ثمنها جنود ومدنيون. محك الأمر في النهاية هو أن الكثير من أبناء سيناء فقدوا التعاطف مع الجيش لأنهم فقدوا الاحساس بأنّه جيشهم الوطنيّ الذي أتى ليحميهم، وبهذا فإن مصر فقدت خطًا قويًّا للدفاع عن سيناء؛ وهو خط وحدة الجيش والمقاومة الشعبية إذا لا قدر الله استلزم الأمر. غنيّ عن الذكر أن القوات الصهيونية بحسب شهادات بعض من أهالي سيناء حاولت مرارًا استمالتهم مع وعد بدولة مستقلة أو مناصب أو مال وهم يرفضون، وكانت ورقة الضغط هي إهمال الدولة لهم وسوء أحوالهم، فليس في صالح أحد أن تزداد هذه الأحوال سوءًا، ولا يتصور أنّ هذه الخلافات الدمويّة بين الجيش وأهالي سيناء ستذوب إذا ما ظهر الصهاينة داخل الحدود.
إخلاء شريط بين غزة ومصر بتهجير أهالي رفح وهدم بيوتهم أمام أعينهم ووفاة أطفال لهم من برد الصحراء أخلى الطريق للاحتلال معنويًا وفعليًا. فمن المعروف أنّ الأرض الفلاة يسهل اقتحامها أسرع وأيسر من الأرض المأهولة بالسكان.

ثمّ حرق الجسور بين مصر وغزة بإصرار الحكم المصريّ على التضييق على أهل غزة، وإعلان حماس منظمة إرهابيّة في الوقت الذي ينادي فيه بزيادة التعاون مع الكيان الصهيوني "الصديق". إضعاف غزة لم ولن يكون في صالح مصر فهم خط دفاع قويّ يصر الحكم الحالي بمصر على معاداته نظامًا وشعبًا.
أضف إلى هذا، تفريعة قناة السويس التي استنزفت الأموال والطاقات دون مقابل كان لها اثر سلبيّ شديد الصلة بسيناء فقد زودت العوائق المائيّة مما يجعل إعادة عبور القناة عملية صعبة وشاقة على الجيش المصري إن اضطر لها.
وأخيرًا نعود إلى الطائرة الروسيّة وإخلاء الرعايا الأجانب من سيناء لحمايتهم وهي ضربة قاسية للسياحة وإضعاف لاقتصاد سيناء مما سيؤدي إلى انتقال بعضهم للعيش في مكان آخر، وكلما قل عدد سكان سيناء، كلما ضعفت وسهلت مهمة احتلالها.

الطائرة الروسيّة هي حلقة ضمن سلسلة حلقات كلها يحدث في سيناء وكلها نذير بالخطر، والقيادات وإعلام النظام يؤجج نار الفرقة ولا يرفق بمعارض. فيا جيش مصر، هلا غيرتم سياستكم واستوعبتم معارضيكم وداويتم جرح أهل سيناء النازف حتى يلتئم جرحكم ويبرأ قلب الوطن كله؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.