المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروى العلج Headshot

مسلسلات رمضان في تونس.. ما وراء الصورة

تم النشر: تم التحديث:

في تونس، تحول رمضان من شهر العبادة والصيام إلى شهر الإنتاج التلفزيوني والاستهلاك الإعلامي والتسابق نحو الظفر بأعلى نسب المشاهدة.

رمضان شهر الرحمة والتسامح، وهو أيضاً شهر التراويح والعبادة، تحول اليوم إلى شهر الفرجة والتسويق التلفزيوني، فتعددت المسلسلات وتنوعت السلاسل الهزلية بين صائب وخائب، وكلّ له شكل ولون خاص به، لكن تبقى مواضيع الفقر والخصاصة من جهة والثراء والترف من جهة أخرى أنجع أساليب استقطاب المشاهد ونيل استحسانه، تتنوع الشخصيات وتختلف، لكنها ترتدي دائماً ذات الثوب، وتكتسي بذات الصفات، وتبقى في ذات الإطار الضيق والرتابة المتوارثة.

لم ينقضِ من أيام رمضان سوى أسبوع، وأظن أن الجميع قادر على استباق نهايات المسلسلات سلفاً، ذلك أننا في الآونة الأخيرة أضحينا نعيش في ظمأ إبداعي وجفاف فكري، وقد يعود ذلك إلى ضعف المقدرة الإنتاجية، أو ربما إلى التكاسل والتعود على القوالب الجاهزة التي شُهد لها بالنجاح من قبل، تملصاً من عناء النقد والهجوم من جديد، لكني أتساءل: ما طعم النجاح المضمون مسبقاً؟

في تناول مسألة المسلسلات والبرامج الرمضانية سأتطرق إلى ثلاثة محاور رئيسية ركّزت عليها الشاشة التونسية وتتمثل في اللهجة، والمرأة والمال.

اللهجة: تميل بعض المسلسلات إلى اعتماد لهجة الجنوب التونسي والمناطق الريفية والقروية النائية كاستعمال حرف الـ"ڤ" عوضاً عن القاف، "أَنِي" عوض "أنا" وبعض المفردات الأخرى لكن يتم اعتمادها في بعض المسلسلات بطريقة بها الكثير من التكلف، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالفقر، كما أن هذه اللهجة لا تعتمد بصفتها الطبيعية بل بإطناب ومبالغة قد تمس بشخص متكلميها أحياناً.

فعلى سبيل المثال السلسلة الهزلية "نسيبتي العزيزة" التي تبث لموسمها السادس على قناة نسمة (قناة خاصة)، فيها تهكم على هذه الفئة، فشخصيات بتفاهة "خميسة" وغباء "الفاهم" لا يمكن لها أبداً أن تتواجد على أرض الواقع وهذا ما أسميه وفقاً لمفهومي الخاص بالكوميديا المتكلفة، أي تلك التي تدخل غصباً لقلوب المشاهدين، وهذا وإن دل على شيء فيدل على عقم الفكر المولد للفكاهة وعجزه؛ لذلك نجد المخرج وكاتب السيناريو يبذلان مجهودات عظمى لإثارة رغبة الضحك في المتلقي ديكوراً مبالغاً فيه، ولهجة تقول كل شيء لكي لا تقول شيئاً وماكياج مهرجين لأناس يودون إقناعنا بأنهم أشخاص عاديون نزحوا من الأرياف إلى المدينة بحثاً عن الخبز والعمل، فلنفترض أن أولئك هم فعلاً أشخاص عاديون بهندام عادي ولهجة أبناء العاصمة، لا أعتقد أنه سيكون لهم ذات التأثير على متابعي السلسلة.

نسيبتي العزيزة" ليست إلا مثالاً من أمثلة كثيرة لأعمال مشابهة نالت نصيباً من الفشل جعلها تعبر صامتة بقدر البذاءة التي أدخلتها على تاريخ الإنتاج التلفزيوني التونسي، ومع ذلك فهذا رأيي ولا ألزم به أحداً، وأعلم أن هذا النوع من الإضحاك بالمظهر واللهجة له جمهوره ومحبوه كجدي وجدتي مثلاً، لكني أعتبرها ضربة حظ في زمن غفلة.

المرأة : بدت المرأة في المسلسلات التونسية في صورة مشوهة إذ زُجّ بها خارج إطارها الاجتماعي والثقافي في دهاليز معقدة تحولت فيها إلى خائنة تنجب أطفالاً خارج الإطار الشرعي و"ساقطة" ومتحيلة تقدس المال على حساب الأخلاق، صارت عبدة في سجون رؤى ضيقة، فلم يعد السعي إلى إقحامها في الحياة الاجتماعية وتسليط الضوء على مساهمتها في الحياة الاقتصادية والسياسية بقدر ما أصبحت توظف لأغراض تجارية تكسبية بحتة، صارت في أغلب المسلسلات طعماً به يستقطب الجمهور، ولم تعد لها صورة المرأة الكادحة المناضلة الشريفة، أسوق على سبيل المثال مسلسل "أولاد مفيدة" الذي يبث لموسمه الثاني على قناة الحوار التونسي الخاصة.

يبدو أن الكل كان متعاطفاً مع "مفيدة"؛ لأنها بدت في مرحلة مبكرة من الموسم الأول في صورة إنسانية، فهي مثال للمرأة العفيفة المضحية في سبيل أطفالها، ولكنها ما زالت لم تحظَ بقدر كافٍ من الاستحسان والشفقة حتى تحولت هي بدورها إلى زانية أخرى تضاف إلى قائمة زانيات ذلك المسلسل وغيره، وقد تفنن هؤلاء في تصوير المرأة في ثوب الضعف والوهن، فهي المرأة التي تسرق وتقتل وتركب الدراجات النارية، المرأة المنغمسة في الفساد والمسؤولة عن شتى أنواعه، كأنما لم تساعد تلك المسلسلات إلا على تعميق النظرة الدونية للمرأة على أنها جسد أجوف ومحل للعبث وإفراغ الشهوة والاستعراض.

المال: يبدو أن المال الضائع على أرض الواقع والمسؤول عن الفقر المدقع والعجز عن توفير المتطلبات الأساسية للعيش قد حشده أبطال المسلسلات في قصورهم الضخمة وسياراتهم الفخمة وملابسهم وألماسهم، وهذا ليس بغريب، فالمخرجون التونسيون كالعادة يتبعون سياسة المثل الشعبي التونسي "شوف بعينك وموت بقلبك" مع الشعب المسكين الذي أغلبه لا يرى الخبز بمفهوم العيش الكريم إلا على شاشة التلفاز.

صار الثراء والفحش وكم الكماليات هو معيار نجاح المسلسلات وجماليتها، فلا سلطة ولا حكم إلا لصاحب مال وجاه حتى لو كان مصدر المال طرقاً غير شرعية أو تجارة دنيئة، وهنا يمكن الإحالة إلى أنه في تلك المسلسلات هناك قطيعة أزلية بين المال والأخلاق، فلا مال حلال فيها، بينما تجد الفقير يخاف الله ويحترم الأعراف الاجتماعية وسنن التعامل مع الناس.

مسلسل "الأكابر" مثلاً الذي يبث على قناة "حنبعل" تدور أغلب أحداثه في المنازل الفخمة والشركات والشوارع المرموقة كأنما انقطع دابر الفقر وأثره في المجتمع التونسي، أو ربما يجسد المخرج "مديح بلعيد" في عمله هذا حلمه في تونس أفضل، لكنني أظنها ستبقى طوبويات وأتمنى ذلك؛ لأن هؤلاء الأكابر انعدمت من مجالسهم الرحمة والأخوة وحتى البنوة والأمومة، كل ما فيها رغبة في الانتقام والقصاص والكل يكيد لأخيه كيداً، ومع ذلك فلن أنسى اجتهاد المسؤولين لإخراج المسلسل من أنفاق الرتابة الضيقة وتقاليد الدراما التونسية المتوارثة بإضافة العنصر اللبناني وتعقيد الحبكة الدرامية بمثل هذه التفاصيل.

رمضان لم يعد رمضان المعنى والروح، أو ربما نحن تغيرنا وتهنا عن كل شيء جميل كنا نحتفي بأدق تفاصيله، رمضان جامع المتحابين لا يكتمل إلا "بلمّة" عائلية على مسلسل يشد الانتباه برسالة يؤديها أو سلسلة هزلية تنتزع من ثغورنا وقلوبنا البسمة انتزاعا، لكنه لم يعد كذلك، وهنا لا يسعني إلا أن أخص بالذكر البرنامج المضحك المبكي "الوجدة" (يبث على قناة "التاسعة" الخاصة)، هو لا يرمي إلى الترفيه والإمتاع بقدر ما يأتي في حلة الكوميديا السوداء لإماطة اللثام عن نفاق الواقعين في شراكه وتعرية حقائقهم بنزع القناع الذي يتخفون خلفه، وها هم الواقفون وراءه يتسببون في إثارة غضب الرأي العام وتهديد حرية التعبير فقد رفع "بن علي" قضية استعجالية لإيقاف البرنامج (وها هم العابدون يظهرون شيئاً فشيئاً بعد أن هرب معبودهم).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.