المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة الششتاوي أبو العطا Headshot

سلسلة مطاعم الـ "ولا حاجة"

تم النشر: تم التحديث:

سلسلة مطاعم الـ "ولا حاجة"

- تسمح تقولي حضرتك بتعمل إيه؟
- باعمل إيه؟ باكل!

- بتاكل إيه؟
- ولا حاجة!

- يعني ما بتاكلش!
- الله ..! مش شايفني باكل؟

قفز هذا المشهد إلى خاطري بعد انتهاء إحدى المباريات الهامة، وفيه يجلس الممثل "إسماعيل ياسين" إلى طاولة الطعام ثم يبدأ في تناول وجبة مكرونة افتراضية ويحتسي معها طبقاً من الشوربة الافتراضية ويستمتع بالطعم اللذيذ افتراضياً، ثم في النهاية يطلب من "الجرسون" مفكاً لتسليك أسنانه من بقايا الطعام المفترض. هُو مشهد استشرافي عميق، لا أظن أن مؤلفه حين قام بكتابته كان يعلم أن فكرته العبثية المجردة سوف تُصبح واقعاً.

جلست يوماً أتأمل مجموعة من الغلمان تظهر على وجوههم ملامح الاهتمام الشديد وكأنهم على وشك فك رموز حجر رشيد. لقد كانوا يلعبون لعبة افتراضية، وينتقلون من مرحلة إلى مرحلة وسط صيحات النصر والاعتزاز بالمقدرة الفائقة والحظ الميمون، فلقد استطاعوا -ولله الحمد والمنّة- أن يجعلوا شخصاً افتراضياً يقفز من رابية إلى أخرى. وعلى الناحية الأخرى، كانت تجلس مجموعة من الصغيرات تغمرهنّ البهجة وكأنهنّ قد أنقذن العالم من براثن بؤسه، فقد استطعن عمل "نيو لوك" لفتاة افتراضية ثم اجتزن مرحلة أهم حين نجحن في إلباسها طاقماً افتراضياً اشتركت به في عرض أزياء افتراضي وأحرزت مركزاً متقدماً على فتيات افتراضيات غير موجودات بالأساس.

ماذا إن طلبت أمّ هذا الصبي أن يتبرع لها بقفزتين ثلاثة نحو البقالة المجاورة لشراء شيء يُغذّي وينفع؟ قد يتأفف ويتملص. وإذا طلبت أمّ هذه الفتاة منها أن تصفف شعر أختها الصغرى ستأففت هي الأخرى، فطعم الإنجاز الافتراضي صار أحبّ إلينا من الإنجاز المفيد.

أحبّ "إلينا".. كباراً وصغاراً، لسنا مُبرّأين أو مُستثنين من تأثيرات الافتراض. فهذا يتعصب لرأي مقدِّسه وكأنه رأيه ثم يتشقلب برأيه للجهة المقابلة حين يتشقلب مقدسه دون تردد أو شعور بالخزي، ذلك لأن "رأيُه الحرّ" افتراضي وغير موجود! وهذه تجلس بالساعات تحصي "علامات الإعجاب" على مواقع التواصل فهي "حبوبة" جداً وكيوت، تذوب في الفم كقطعة السكر، ولا أنصحك أن تختلف معها فـ"أشولة" السكر الذي يقطر من فيها أشولة افتراضية.

وهذا الذي جلس يسبّ الناس لضعفهم وتخاذلهم، هو ذاته من أرخى ظهره بالأمس وجلس في مقعد المشاهد حين وقع الظُلم بأخيه، فشجاعته افتراضية ونخوته تجمدت عند مرحلة التسخُّط والسباب. وهذه التي لا تتمالك أدمعها أمام عذوبة مشاعر البطل هي ذاتها التي لا تكترث لآلام أحد ولا يرهَفُ حسُّها إلا أمام الشاشة.
وهؤلاء الثائرون المتجمهرون على ناصية الطريق، لا تظنّ أن حماستهم الملتهبة ترجع إلى عزمهم على إشعال ثورة أو التصدي لظالم؟ كثيرٌ منهم غارقون لأم رأسهم في دركات الشقاء، لكنهم في أوج تألقهم الآن؛ لأن شخصاً ما حرك الكرة بقدميه فأدخلها في نطاق المرمى.

من الطبيعي أن يفرح من صوّب الكرة ويبتهج، فقد أمضى أوقاتاً مُمتعة من اللعب والرياضة المفيدة وتقاضى أجراً مُجزياً، ومن الطبيعي أن تبتهج أمه وخالته، وربما صديقه وابن عمته والمعارف والأقرباء. ومن الطبيعي كذلك أن تفرح لإنجازه إن كُنت تحبُّه، أما غير الطبيعي فهو انتفاض هذا العدد الهائل من الناس طرباً أو غضباً؛ لأن أحدهم قد صوّب الكرة نحو المرمى، واعتباره انتصاراً شخصياً، وأحياناً عقد لواء الولاء والبراء للنادي الرياضي! في حين أن كثيراً من هؤلاء المتحمّسين لا يفرحون بالدرجة نفسها إن كان هو ذاته من أحرز الهدف، فمجتمعه قد جعل منه رقماً مُضافاً لآلاف تتلاطمهم مفاهيم افتراضية مختلّة ترسخت واستحكمت حتى جعلت مذاق هدفه الشخصي سمجاً ومذاق هدف اللاعب الشهير مُستطاباً.
لقد تكاثرت المفاهيم الافتراضية في هذا العالم، واستغرقتنا، ولم نُقاوم، حتى صرنا ظلالاً لهزائم وانتصارات كثيرة لم نُشارك فيها وحواشٍ على هامش صولات قوم آخرين، كعباءة المقاتل ترفرف خلفه أينما صار فإذا انتصر انتصر وحده وإذا انهزم انهزم وحده، ونال شرف المحاولة وتبعاتها، وتمزقت العباءة وضاعت.

كان البدء حين شرعنا في تعاطي الافتراضي كنوع من الترفيه أو التنفيس عن النفس، لكننا لم ننتبه إلى أنه قد يلتهمُنا في جوفه لنصحو في أحد الأيام وقد صرنا لا نحزن على هزائمنا بقدر ما نحزن حين ينهزم الافتراضي فينا، ولا نسعد لانتصاراتنا بقدر ما نسعد حين ينتصر الافتراضي فينا. لقد تغذّينا على الافتراضي كما تغذّى عليه الممثل في ذاك المشهد وصرنا نأكل "ولا حاجة" ثم نجد طعمها لذيذاً.

وأصبحت وجبة الـ"ولا حاجة" وجبة يومية مفضلة لكثيرين تُقدم يومياً في كبرى سلاسل المطاعم العالمية! بعض الناس لا يأكلون اللحوم، بعضهم لا يهوون الخضر، لكن جميعهم يأكلون الـ "ولا حاجة"!

وليس هذا بعجيب، فحاجة الأفراد لتحقيق انتصارات شخصية قد تُلجئهم أحياناً للحصول عليها من خلال الآخرين، وهذه حيلة تستخدمها النفس البشرية لمقاومة العجز والضيق باستشعار الانتصار من طرق وهمية. جميعنا نلجأ إلى ذلك في بعض الأحيان، ولا مناص منه؛ بل إن الأحلام التي تراودنا هي ذاتها من قبيل الافتراض، وهل يتنازل أي منا عن الأحلام؟ لله الأحلام! هي جميلةٌ في ذاتها، إلا أن الخوف ينبع من "جوع" الافتراض وتوحُّشه: الافتراض قادرٌ على أن يسحبك شيئاً فشيئاً نحو مستعمرته، وبدلاً من أن تتعزى به في بعض الأحيان يلتهمُك هو في كل حين ولا تستطيع منه فكاكاً.

لقد بلغ الافتراض مبلغاً شرساً وكارثياً، كثيرٌ من الأمم تجردت من مشاعرها في أرض الواقع وبذلتها بسخاء أمام الشاشات وتنافست الشركات التكنولوجية في طرح زوجة افتراضيّة تؤدي المهام أفضل من الزوجة الآدمية وكلب إلكتروني أكثر طاعةً وتسليةً من الكلب الحقيقيّ! الانتصار الحقّ في زمنٍ كهذا هو التصدّي لذاك الزحف المُرعب. إنّ كُلّ نجاح يحرزه الافتراضي هزيمة تسجّل علينا، كل خطوة يتغلغل من خلالها فينا أكثر ننسلخ نحن من أنفسنا وحقائقنا ومشاعرنا، ونصير مسوخاً تسعى وراء نجاحات زائفة تُشبه إلى حدٍّ كبير نجاحات أليس في بلاد العجائب.

أغبطك يا من بحثت عن شيءٍ حقيقيّ، ولو صغير.. بسيط.. وقبضت عليه بيديك، وصدّقته، وقيّمت أمورك، ووضعت كلّ "ولا حاجة" في إطارها فلم تتعاطها، ولم تلتهمك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.