المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروة الحنفاوي  Headshot

ليتنى كنت سلحفاة

تم النشر: تم التحديث:

لطالما أباحت لي صديقتي المقربة عن رغبتها في أن تكون سلحفاة تدخل إلى درعها الصدفي كلما أرادت أن تنعزل عن عالمها.. في الصباح أفتح باب شقتي لأجد الجريدة اليومية ملقاة أمامه.. لتقع عيناي على عنوان بفونت كبير.. المصريون أسعد شعوب العالم بعد ثلاثين عاماً.. أبتسم منحنية لالتقاط الجريدة وعلى ما يبدو أنه صباح جميل.. أقلب صفحاتها.. يستوقفني خبر حريق هائل في مدينتي لإحدى البنايات، ينتج عنه عدد كبير من الضحايا..

أشعر بالقلق، ألتقط هاتفي الذكي لأفتح فيسبوك أتحسس أي خبر عن الحريق لأجد أحدهم يروي تفاصيله القاسية على إحدى المجموعات الخاصة بمدينتي، وكيف أن عربة إطفاء الحريق تأخرت لتحضر في النهاية بسلم قصير لا يصل للأدوار العالية ليتمكن من إنقاذ أرواح الأدوار العليا.. لتليها أخرى حديثة مجهزة تحمل سلماً كبيراً.. ليسارع الأهالي الى عامل الإطفاء لإنقاذ الضحايا.. ليتوقف عامل الإطفاء أمام شاشة التشغيل محاولاً اكتشاف كيفية تشغيلها.

أكتفي بهذا القدر من قراءة التفاصيل المخزية.. متذكرة رغبة صديقتي في أن تكون سلحفاة لأجدني أردد في نفسي: ليتني كنت سلحفاة أدخل الى درعي الصدفي هرباً من هذا العالم البائس.

في محاولة للخروج من هذه التأملات الحزينة انشغل بتجهيز كوبي الصباحي من النسكافيه.. وكعادتي أثناء تناولي له أفتح التلفاز ليستوقفني أحد برامج التوك شو الشهيرة لأجد مناقشة حامية الوطيس يديرها أحد جهابزة الحوار عن كيفية منع سما المصري من ممارسة حقها الدستوري في الترشح لمقعد البرلمان.. والمناقشة تزداد حمواً ما بين مؤيد ومعارض.. أبتسم وأتذكر أننا أسعد شعوب الأرض بعد ثلاثين عاماً.

أغيّر المحطة لأتوقف أمام إحدى المحطات الإخبارية تبث فيديو للحظات وصول لاجئين سورين الى إحدى الجزر الأوروبية.. تقترب الكاميرا لتتصفح وجوهاً تحمل ملامحها كماً لا نهائي من المعاناة والبؤس مختلطة بكم لا نهائي من الحزن.. لترسم مجتمعة صورة قادم لتوّه من رحلة موت قاصداً المجهول مصيراً.

أعلى جانبي الشاشة صور لغرقى أطفال اللاجئين عبر رحلة الموت.. للحظة أتحسس ظهري وأتمنى وجود ذلك الدرع الصدفي كي أدخل إليه بعيداً عن بؤس هذا العالم.. يرن جرس تليفوني لينقذني من هذه التأملات.. ألو.. إنها زميلتي تخاطبني لتبثني سلاماتها وأشواقها.. منتقلين الى فقرة اللوم والعتاب.. ليعقبها فقرة سيل الأسئلة واستخلاص المعلومات.. لتأتى بعدها جملة النهاية والدعاء بإصلاح الحال.. أغلق الهاتف لتزداد رغبتي في أن أكون سلحفاة ناشدة بعض الهدوء من البشر داخل درعي.

أتوقف أمام إحدى المحطات الشبابية ناشدة بعض التغيير، عدد من المراهقين مجتمعين في احتفالات العيد في شكل مبهج.. بعضهم متجمع في شكل دائري، في وسط الدائرة شيئ غير واضح، أحاول المتابعة.. إنه كلب، يخرجون أحزمتهم ليلهون بتعذيب الكلب. ليتنى كنت.. لا لا.. تخيلت كوني سلحفاة.. أسرح بخيالي.. لأجد حمادة ذلك الطفل اللزج ابن جارتي الفوقية، الذي يلهو بتعذيب قطط العمارة، يحاول إخراجي من صدفتي.. يبدأ بهزّي.. لا أريد الخروج.. ينتقل من الهز الى الطرق فوق صدفتي.. أرفض الخروج الى عالمكم المتعفن.. يذهب بعيداً محضراً إبرة.. تتسارع دقات قلبي.. يكاد قلبي يتوقف.. تسقط الإبرة منه لأتنفس الصعداء، يعاود هزي.. لازلت أصر على عدم الخروج من صدفتي.. يجرى بعيداً، ليعاود راكضاً، وفوق وجهه ابتسامة منتصر.. من بعيد يبدو حاملاً بيديه شيئاً ما، إنه شاكوش.. ووو...مسماااار. يضع المسمار فوق صدفتي، إنه سوف يدقني فوق صدفتي.. أسارع بإخراج رأسي.. أتحرك بعيداً.. أحارب الزمن لأعود لشكلي البشري؛ لأدرك أنني في هذا العالم لا أملك رفاهية الطموح بأن أكون سلحفاة .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.