المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروى عبد الرزاق  Headshot

الدين والسياسة

تم النشر: تم التحديث:

إنّ تعدد الأديان يبعثُ في النّفس التساؤل في ظل ما يعيشُه عالمُنا العربي من تصادم، فقد زُج "بالدين" في اللّعبة السياسية، وهذا من خلال حملة التّشويه التي يتعرّض لها الدين الإسلامي.

إن تعدد الأديان كان منذ القديم وليس جديداً على عصرنا أو على شبابنا العربي، ويجبُ التّنويه بأن الأمور الأساسية لا خِلاف فيها بما أن لكل منا ديانة يعتنقُها ما دامت لا تمس من كرامة الإنسان.

فما الحكمة من تعدد الدّيانات في الإسلام؟
إن تعدد الدّيانات الإسلامية يطول الحديثُ عنه وعن أسبابه، لكن يُمكن أن نقول باختصار إن الدّين الإسلامي هو الدّين الذي يقرّ بأن اختلاف الأديان ليس شراً على بني البشر، هذا يذكرنا بقول اللّه تعالى: "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا".

فمظاهر الانفتاح العقلي والاستنارة الفكرية في هذا القرن وتسامح المسلمين مع أتباع الدّيانات الأخرى في زمن كانت فيه فكرة التسامح الديني في أنحاء أخرى من الأرض تكادُ تكون غريبة.

إن حلقات العلم في حواضر المشرق الإسلامي كانت تضم المسلمين ومن هؤلاء الملحد والنّصراني واليهودي والمجوسي.

إن الواقع اليوم يعودُ أدراجهُ إلى ما شهده الواقع سابقاً من تناحر بين الدّيانات. يقول أحدهم للتوحيدي: "من أين دخلت الآفة على أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا الافتراق وتباينوا هذا التباين، وخرجوا إلى التكفير والتفسيق وإباحة الدّم والمال"، فكان جواب التوحيدي: "إن المذاهب فروع الأديان، فإن ساغ الاختلاف في الأديان - هي الأصول- فلم لا يسوغ في المذاهب وهي الفروع".

إن هذا التفسير يكشف عن كثرة المذاهب والصّراعات بين الفرق والتناحر الذي كان سبباً في تراجع الدين والانقلاب عن القيم والإفلاس الأخلاقي.

تعدد الأديان هذا كان سبباً في تفرقة الشعوب وبث الرّعب بينهم وإقصاء الآخر الذي يحمل ديانة مختلفة.

فهل الدولة تلعب دوراً هاماً في هذا التناحر؟ وما هو الدور الأساسي الذي يلعبه السياسيون وغايتهم في تشويه الدين الإسلامي بشكل خاص؟ وهل الصراع الدّيني هذا له علاقة بثورة الربيع العربي؟ وهل رجال الدّين أيضاً يستغلون المنابر لغسل أدمغة الشباب من أجل بث الفتنة؟

بعد اندلاع الرّبيع العربي بات الوضع كارثياً ودخل الدين في اللّعبة السياسية وبات مصدر فتنة ونقمة بعد ما كان تسامحاً وسلاماً، فالغرب سعى جاهداً وراء تشويه الدّين الإسلامي وإقصائه من عقول العديد من الشعوب، وهذا من خلال بث ما يسمى تنظيم الدّولة داعش، الذي لا يمثل الإسلام بقدر ما يمثل النخبة السياسية الأميركية الصهيونية، وهذا لإعطاء صورة سوداء حول الدين الإسلامي وتمييز ديانة عن أخرى.

وما يحصل الآن لشاهد عيّان على هذا، فعززت النزعة العنصرية والقتل والتنكيل وهذا ما نشاهده في أغلب البلدان الغربية والمضايقات التي يتعرّض لها المسلمون على حد سواء.

يبقى السؤال المطروح: كيف نستأصل ورم السياسة الذي ينخر في الدين؟

إن التناحر هذا سببه الأول والأخير "الطبقة السياسية الغربية" وتساعدها في ذلك "طبقة سياسية عربية لكن خفية"، وتقوم فقط على بث الرّعب بين الناس والتفرقة بين الشعوب من خلال تشويه الدّين الإسلامي وجعله في خانة دين دموي تعصبي متطرف.

كما أنه بات يُنعت بفوبيا الإسلام، وهذا عن طريق الحملة الإعلامية التي تلعب دوراً هاماً في ترويج الإشاعات، وخاصة إنشاء صفحات على فيسبوك تشوّه الدّين الإسلامي وتقوم بالسب والقذف أيضاً.
فمنذ اندلاع الرّبيع العربي ورجوع الإخوان المسلمين إلى السّاحة السياسة أرعب هذا الغرب، مما شكل نوعاً من التوتر حول بداية نهوض عربي من جديد، وهذا من خلال تغيير النظام القمعي، فهل الرّبيع العربي أصبح نقمة وليس حلاً للتغيير؟

بما أن الوضع أصبح على المحك وباتت الصّراعات كثيرة والعنصرية في تزايد أغلب الشباب الآن والعربي منه يرى أن الإسلام هو سبب كل ما يحصل -إلا أنه على العكس- فهذا ما جعل السياسة الغربية تستغل الوضع لصالحها وبث "داعش" على الساحة والضربات الإرهابية أيضا لعبت دورها، وكما نعلم ما حصل في أغلب البلدان الأوروبية التي حملت المسؤولية إلى الإسلام.

إن الغرب همّه الوحيد إبعاد الدين على الدولة، خاصة أن الإسلام يرهب الغرب (الطبقة السياسية)، ولعل أكبر دليل على ذلك ما يحصل الآن حول الخنق السياسي على دولة قطر التي هي أول مدافع على النخبة الإسلامية، وعلى رأسها حماس.

هذا لا يعني أن قطر و حماس لا تملك أخطاء بل هي فقط نموذج لتقريب الصورة، هذه الظّاهرة واضحة ميّزت الغرب السياسي من أجل تحطيم الثقة في نفوس العرب أنفسهم حول الإسلام، هذا ما حدا بالبعض في الوقت الرّاهن أن ينالوا حظاً من الثقافة نراهم يتميّزون بطابع خاص هو "الاستقلال الفكري" في اختيار الدّين الذي يخدمُ الفرد لا يعوقُه، وهذا ما أرادت سياسة الغرب بثّه، أي بثّ الرّعب لا السّكينة من خلال ما يرونه يخدم مصالحهم التي تتوافق مع أسسها مهما كانت.


فكيف يؤدي هذا الاستقلال الفكري بالمثقف العربي إلى جعله يختار ديناً يقتنعُ به ظاهرياً لا باطنياً؟

إن جُلّ شعوبنا العربية والمُثقفة على حد سواء ولكي لا نقول كل الشعوب، تجهلُ حقيقة وسماحة الدين الإسلامي، بل تسعى وراء تشويهه أيضاً. فأكثر سكان هذه الأرض مع أن الإنسان نال قسطاً من العلوم لو درس الإسلام دراسة خالية من تأثير الوراثة والعاطفة لتبهرهُ روعته وعظمته ولانتقد عقله وتقاليده العمياء، والأخذ بتعاليمه لما يرى في هذا الدّين ما يبل ظمأه الروحي ويبعث في النفس السكينة والثبات الذاتي والنفسي.

لكن هذه الصّورة الرّائعة التي يتلقاها الدارس للإسلام لا يلبث أن يرى نقيضها عند التأمل في حالة المسلمين اليوم، وهذا الواقع المرير الذي يعيشه المسلم.

يقول الشيخ محمد عبده في تقرير ذلك: "فجلّ ما تراه الآن مما تسميه العامة إسلاماً فهو ليس بإسلام، وإنما حُفظ من أعمال الإسلام صورة الصلاة والصوم والحج.. فكل ما يعاب على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو شيء آخر سموه إسلاماً.."، وقد كان الشيخ جمال الدين الأفغاني حكيم الإسلام يرى أن "سوء حال المسلمين أكثف الحجب الحائلة بين شعوب أوروبا والإسلام"، ومن أقواله: "إذا أردنا أن ندعو أحرار أوروبا إلى ديننا فيجب علينا أن نقنعهم أولاً أننا لسنا مسلمين، فإنهم ينظرون إلينا من خلال القرآن هكذا -ورفع كفيه وفرج بين أصابعه- فيرون وراءه أقواماً فشا فيهم الجهل والتخاذل والتواكل.. فيقولون لو كان هذا الكتاب حقاً مصلحاً لما كان أتباعه كما نرى...".

إذاً والحق يقال إن كثيراً من المسلمين اليوم مسلمون بالاسم لا يعرفون دينهم، وهذا ما ساعد السياسة الغربية أن تدمر ما تبقى وإدخال السم في المجتمع من خلال الأفلام والموسيقى ورفض المبادئ الصحيحة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.