المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مروان جوبيج Headshot

دين فوق الدين.. نحو فهم آخر للإنسانية

تم النشر: تم التحديث:

قد يبدو الموضوع غريباً للبعض ومستفزاً لآخرين، وكما أنه ضايقني لدرجة أنه استفز عقلي وجعلني أفكر في الأمر مراراً حتى أني وجدت نفسي حائراً بين أمرين، ومن عادتي أن الأفكار التي يكثر الحديث عنها تثير فيَّ رغبة في انتقاد هذا الإقبال متسائلاً عن الذي يجعل مثل هذه الأفكار تعتنق بسهولة، خصوصاً أن صاحبها تبنّ غير طبيعي لها ولم يكن نتاج نقاش عميق.

تعكس فكرة هذا الموضوع من خلالها فلسفة خاصة لرؤية الإنسان للعالم، وتندرج ضمن إطار يهم رسالة الإنسان في الأرض وهي فكرة ليست بالمألوفة، خصوصاً أن جزءاً منها يتركز على معنى خاص لمفهوم شائع الاستعمال، ولكنه صار يتردد على الألسن كثيراً، مع العلم أن أفعال المنسوب لهذا المصطلح هي أفعال تخضع لميزان الأخلاق، وكما يمكن ترجيحها خيرة يمكن ترجيحها شريرة.

وبما أنني ذكرت الأخلاق فأنا بالضرورة أتحدث عن الإنسان، وأيضاً الإنسانية كسلوك وليس جماعة البشر على الأرض منذ آدم إلى الآن. وللإيضاح، لماذا يطلق على كل عمل خيري أنه إنساني، في حين أن الأعمال السيئة هي أيضاً صادرة عن الإنسان؟ وهل لا حظّ للإسلام من الإنسانية؟

عند طرحي لهذا السؤال هممت محاولاً الإجابة عنه، قائلاً إن الأصل هو وجود الخير لكن هذا الإنسان ورغم كونه مكرماً من عند الله وأنيطت له مهمة الخلافة في الأرض إلا أني لا يمكن أن أتناسى عند وصف عمل خيري أنه إنساني، الجانبَ الآخر للإنسان وعدد القتلى وكم الدمار والفساد الذي خلفه طيلة مكوثه فوق سطح الأرض.

ولهذا فعندما تفكرت في المصطلح وقلبت معانيه وتقمصت دور صاحب الرأي المعارض لما أفكر فيه وجدت أن مآل استهلاك معنى خاص من الإنسانية لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة وحتى وإن أدى فلن يكون ذلك راجعاً له بالأساس، فكشأن كل شيء في التاريخ، مر مصطلح الإنسانية بتطورات من ناحية معناه فكل مذهب يفسره بنحو يعكس نظرته للعالم، فقد ظهر كحركة فلسفية تدعو إلى إعادة الكرامة إلى القيمة الإنسانية. وارتبط أيضاً بالعلمانية وهنا نجد النزعة الإنسانية العلمانية التي ترفض الأمور الخارقة للطبيعة والأمور الإيمانية بشكل عام وتسعى إلى مجتمع أكثر إنسانية من خلال نظام أخلاقي قائم على القيم الطبيعية والبشرية والعقل المتسائل الحر.

وجب قبل المضي في الموضوع أكثر أن أوضح نقطة مهمة قد يغفلها البعض، فكل كلمة لها معنى أو عدة معانٍ حسب السياق، وهذا المعنى مرتبط بالوسط الذي أنتجت فيه الكلمة أو نمت فيه، فعندما يتم نقلها إلى وسط آخر قد يختلف المعنى الجديد عن المعنى الأول، وعلى سبيل المثال فالترجمة تستوجب عند ظهور مصطلحات جديدة بلغة أجنبية ضرورة البحث عن كلمة مقابلة لها، لكن الفخ الذي لا مناص منه هو أن الكلمة التي قد نجدها لها معنى خاص باللغة الأم وقد تشترك في بعض الأمور مع المصطلح الأجنبي, وقد يحدث أن يتغير معنى الكلمة في نفس الوسط مع مرور الوقت نتيجة عوامل اجتماعية.

الظاهر أن المشترك بين هذه المعاني والتعاريف التي ذكرت هو غياب البعد الديني الذي يربط أهداف الحركات الإنسانية بغاية أخروية، تتجلى هذه الأخيرة دنيوياً في مهمة خلافة الله في الأرض، ويتأتى ذلك بتزكية النفس وتخليق الروح التي تقود الإنسان إلى تنفيذ أحكام الله والعيش الكريم للإنسان.

لولا عكس المعنى لما كان للمعنى وجود.

خلق الإنسان وأعطي حرية الاختيار بين تزكية وتدسيه نفسه، ومن منا لم يقرأ أو يسمع كلمة الإنسانية ولم يخطر في باله أنها مقابلة للخير، فستبقى ثنائية الخير والشر محركة التاريخ الإنساني حتى فنائه. فأثناء التعاطي مع الإنسان كروح ومادة لا ينبغي أن نهمّش جزءاً عن آخر، فتغليبنا للروح بالميل نحو اعتباره كائناً روحانياً هو أشبه باعتباره ملاكاً، في حين أن في خلقه بهذا التركيب حكمة والحرية التي بموجبها يختار الإنسان الوجهة التي يريد الوصول لها، تجلٍّ لهذه الحكمة، فالجزآن لا ينفصلان عن بعضهما بعضاً.

إن ما أرمي له من خلال مقالي ليس الوصول إلى فكرة أن أصل الإنسان هو الخير، بل الوصول إلى معنى عميق للإنسانية بعيداً عن التعريفات السطحية وتلك المرتبطة بالمادية المنزوعة من ارتباطها الأخلاقي بالحياة, معنى يعبر بحق عن ملحمة الإنسان في الأرض، في سعيه للتزكية، في جهله، في مرضه، في عدم كماله وفي موته, في فقدانه لأعز من يملك وسعيه بالمقابل نحو إيجاد دواء لمرض عضال.

في الأفلام البطولية نحزن كثيراً لموت البطل، والوصول إلى عمق هذا المعنى من الإنسانية يتطلب نضجاً عقلياً كبيراً كي نفهم أن بموت الإنسان تحيا القيمة التي دافع عنها هذا البطل, ولنا بموت الرسول صلى الله عليه وسلم حكمة, فقد مات محمد الإنسان جسديا لكن الدين الذي جاء به محمد الرسول استمر بعده وانتشر في الأرض ومع ذلك لايزال الرسول بشخصيته وأخلاقه وسيرته حياً داخل كل إنسان بغض النظر عن دينه كون رسالته الموجهة للعالم والمستمرة في الزمن قد أثرت على غير المسلمين وتركتهم منبهرين به.

مسار الإنسان في هذه الحياة امتحان لقدرته على التقاط النور الإلهي والتمسك به منيراً درب حياته، وعلى إصراره على العودة بعد التيه. إن مهمة خلافة الإنسان في الأرض مسؤولية لها أبعاد تبتدئ من ذاته ونفسه وتنتهي عند الإنسانية كلها وتمس حتى الجماد، ومتى كان المسلم واعياً بدوره النهضوي في الدنيا، ملتزماً بكتاب الله وهدي رسوله كان آنذاك بمعية السند الإلهي على خطى إنجاز مهمته في الدنيا.

إن الإسلام دين إبراهيم قبل أن يكون لمحمد رسول الله واجب تبليغه للإنسانية، يعني أنه دين للإنسان الذي هو من خلق الله، والإنسان بالتزامه بهذا الدين وتعمقه فيه واقترابه من الله يكتشف نفسه أكثر فأكثر ويحس بإنسانيته وضعفه أمام خالقه. فالإسلام بمساواته للإنسان بأخيه الإنسان في القرآن بتكريم الله له واحترام حق الحياة لكل إنسان بغض النظر عن دينه كما ذكر في القرآن (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)، لا يدع أدنى شك بأن الرسالة المحمدية تقصد الإنسان وإسلامه هو نتيجة اقتناعه بهدفه في الحياة.

ختاماً تجاوز البعض هذا الأمر ببحثهم عن مرجعية تتجاوز إسلامهم، في حين أن من صميم الدين الرفعة بالإنسان، ولم يكن الإسلام يوماً نقيضاً للإنسانية حتى يرى البعض ما رأوا، إن من شأن هذا الأمر أن يجعل الإنسان يتحرك بناءً على مرجعيتين وأن يخلق ديناً فوق دينه، في حين أن في رسالة الإسلام الخالدة تعبير عن إنسانيتها وتجانس طبيعي بينهما, فاستيراد مصطلح الإنسانية من وسط آخر وإسقاطه على مجتمعات ذات أغلبية مسلمة تمتلك معنى خاصاً سامياً للإنسانية مرتبطاً بغاية أخروية، واستهلاكه يجعلنا أمام أزمة استهلاك. فالإسلام في منظوره للإنسانية يجعل علاقة الإنسان بأخيه تمر عبر الله، أي أن كل عمل مرتبطٌ بالله، وهذا هو ما يميز هذا المنظور عن أي منظور آخر أجوف للإنسانية.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.