المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم عبدالسلام Headshot

العتمة

تم النشر: تم التحديث:

كانت أمي تحثني دائماً على العودة إلى البيت قبل العتمة، كانت تقول: "لا تمشي في شارع يخيمه الظلام وحدكِ"، كنت أسمعهم يقولون إن وجود العفاريت وأبو رِجل مسلوخة وأم أربعة وأربعين والشيخ حسن الذي يأخذنا في شواله وغيرهم يكثُر ليلاً، كان توقيت الأشياء المخيفة مرتبطاً بالعتمة.

كانت العتمة وقتاً ويمضي، وكنت أُجيد الهروب منها إلى البيت.. أما الآن فأنا لا أعرف كيف أهرب من العتمة يا أمي! فهي بداخلي، أصبحت أكره النور وأنتظر وقت العتمة كي أعيش كل ما أريد أن أعيشه وحدي أو مع مَن أحبهم، أصبحت أستمتع بوجود العتمة..

تعلمين هي تُرعبني أحياناً أيضاً لدرجة أنني عندما أضحك أشعر أنها تضحك معي أو عليّ، لا أعلم.. ولكن العتمة التي تُرعبني ليست ما كنتِ تعنيها يا أمي، أنا رأيت أشكالاً أخرى لِلعتمة التي تعرفينها أنتِ..
العتمة أناس نحبهم ولا نعرف كيف نحضنهم.
العتمة أننا نعيش الموت كل يوم منذ موت أحدهم دون أن يسمح الله لنا أن نموت.
العتمة أننا هنا والذين نحبهم هناك.. وبيننا وبينهم مسافة لا ندركها مهما مشينا، مهما ركضنا مهما صرخنا ومهما تمنينا.
العتمة طُرق مسدودة تقطع علينا لذة الوصول لما نريد.
العتمة ركض وراء ملاهي الدنيا التي لا حصر لها دون إدراك أولوية الأمور بالنسبة لطموحنا.
العتمة وجودنا ببلدة ظالم أهلها لا نرى فيهم أمل التغيير وحتى لا نعرف سبيلاً للخروج منها.
العتمة أن أكون هشة من الداخل وكل من حولي يرون الصلابة على وجهي.
العتمة أن أحاول استعادة قواي كي أقف من جديد ويأتيني الخازوق من حيث لا أدري.
والعتمة يا أمي، أن تتجمع الذكريات وتشاركها دناءة الواقع في إفساد لحظاتي التي أظنها سعيدة.
هل أقول أكثر!! أشعر بانشطار قلبك الآن، حسناً يا أمي، سأكتفي بهذا الحد الذي لا يصف عُشر الحقيقة.

هذه التدوينة تحتوي على كلمات بالعامية المصرية

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.