المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم كرودي Headshot

حينما تختلي بنفسك.. هل تعرفها؟

تم النشر: تم التحديث:

لست أنت ذاك الشخص الذي يراه الآخرون، ولا ذاك الذي يسمع عنه البقية، لست مَن يلقي التحية على الجميع، ولا مَن يناقش المواضيع المثيرة للجدل بذكاء مبهر، لست مَن يجلس في المقهى ويسوق السيارة، ولا مَن يلج المسجد أو يتردد على الملهى الليلي.

أنت فقط من تخلد إليه بعد أن تلقي بالحياة ومظاهرها خارجاً، أنت ذاك الشخص الذي تجده ينتظرك وحيداً عند المساء، بعد أن يسقط القناع ويتطاير عنك غبار النهار، أنت من تراه في المرآة، ومَن تسمع صوته بعيداً يناديك، يئن إن أخطأت وجعاً ويربت على كتفيك مهنئاً إن أحسنت صنعاً.

ذاك الذي يعيش بداخلك دهراً ولا يفارقك إلا والحياة تفلت من يديك.. ذاك أنت!!

كثيرون هم، من نظنهم ملاكاً طاهراً والقلب بهم خبيث ذميم، إذا اختلوا بأنفسهم غيَّروا جلودهم وغدوا شياطين في صورة إنسان، وكثيرون من أصدرنا أحكامنا المسبقة عنهم، وضعناهم في خانة الغدر ولم نعلم أن أرواحهم جواهر ثمينة.. يزاولون الحياة بقلب صاف ويرحلون وهم بالطهر أغنياء.

فالسعادة لا يجسدها المال والمستوى المعيشي، ولا ما نرتديه من أثواب، وإنما نفس نقية وروح مطعمة ضد الأوبئة، السعادة: أن يعيش الشخص مع نفسه كما يحيا بين الجماعة، أن يكون هو بإيجابياته وسلبياته، بميزاته وعيوبه ولو وسط الآخرين.. ليس العيب أن يكون بنا عيب؛ بل في أن نخفيه بمكر، أن نحتال في تزيين صورتنا أمام البشر، وأن ندعي الجمال والقبح حقيقتنا.

لا شيء أصعب من نفس مريضة، مضطربة.. متناقضة مع نفسها، تعيش الاختلال، ولا من قلب دامس لا تعرف دقاته نوتة الحب.

أستغرب بشدة لحال أولئك الذين اختاروا أن يعيشوا الحياة كفيلم سينمائي، كأبطال يلعبون أكثر من دور ويتقمصون أكثر من شخصية، وعند كل واحدة منها قدرتهم رهيبة على تغيير الزي والمكياج باحترافية مذهلة.

أتساءل عن شعورهم وستارة اليوم الطويل تسدل، أيستشعرون التعب أم اللذة باعتبارهم يمارسون هوايتهم الشيقة؟

أتساءل حقاً عن الصوت الذي يصرخ بداخلنا عادة، هل ما زال على قيد الحياة أم انقطعت أحباله الصوتية عندهم ووافته المنية من شدة الصراخ؟

يقول مصطفى لطفي المنفلوطي: "حسبك من السعادة، ضمير نقي، ونفس هادئة، وقلب شريف".

فطوبى لمن لا يشمئز عند النظر إلى نفسه أو عند سماع صوته يتأوه تعباً.
طوبى لمن يتوسد الراحة عند كل ليلة ويعانق الرضى وهو يغط نوماً.
طوبى لمن يؤنبه ضميره إذا أخطأ ففي التأنيب نقاء الروح وطهرها.
طوبى لمن لا يبدله المكان والزمان.. يلتحف جلداً واحداً ووحيداً ولا يترقب فصلاً ليغيره.
طوبى لمن يستطيع أن يقول أنا هو نفسي، أنا بكل عزة وفخر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.