المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم حراز Headshot

نحن الفتيات نسافر إلى أفريقيا "9"

تم النشر: تم التحديث:

mrymhraz

كانت الأيام تمُر سريعاً، وقضينا في السفر بالشاحنة أكثر ممَّا قضينا في أي نشاطٍ آخر. كنا نصحو من النوم لننام مرةً أخرى. كانت منطقة شرق إفريقيا شديدة الاتساع، تغطيها المساحات الخضراء والرطوبة المرتفعة. لكن مجموعتنا الجديدة كانت رائعة؛ فقد أصبحنا حينها 14 فرداً بدلاً من 22. شعرت كما لو أنَّ ثمَّة شيئاً ينقصنا.

عبرنا الحدود إلى مالاوي بعد الظهيرة، وبعدها بقليلٍ وصلنا إلى الطرق الترابية؛ ما يعني أنَّنا سنحاول النوم بينما رؤوسنا تضرب سقف الشاحنة كل دقيقة.

لم أكن أعلم ماذا أتوقَّع بينما أمُر في الدولة الأفقر في العالم، ولكننا كنا نمر بالبيوت والمحال فنجدها مبنيةً من المواد المتوافرة أياً ما كانت. أكوامٌ وأكوامٌ من القمامة مجتمعةً نراها بين كل عدة كيلومترات تُحرَق؛ والأطفال يلوِّحون لنا.

mrymhraz

إنَّ مالاوي معروفةٌ بالمانجو، ثمار المانجو الخضراء الفاتنة التي تتساقط من كل شجرةٍ تراها؛ وهي ألذ ثمار المانجو التي تناولتها في حياتي. كنا نسير على الطريق ولكن "لولو" توقَّفت فجأةً بجانب مجموعة من المناضد التي تغطيها المانجو، وفجأةً ركض باتجاهنا مجموعة من الأطفال ليبيعوا لنا المانجو. عادت "كولين" بـ25 ثمرة مانجو. هل تعلمون كم يبلغ سعرها؟ 50 سنتاً. لقد اشتريت من قبل 3 ثمار مانجو في القاهرة بـ7 دولارات. أجل؛ لقد تعرضت إلى الاستغلال.

mrymhraz

أوَّل مخيَّم لنا على شاطئ "كاندى"، الذي يُعَد جزءاً من بحيرة مالاوي، بدا وكأنَّه بحرٌ؛ فهو يمتد على 3 دول مختلفة. كان علينا أن نسأل الموظفين إذا ما كانوا قد رأوا أيَّة تماسيح في الأيام الماضية لنتأكَّد من أننا يمكننا السباحة بأمان دون أن يلتهمنا أحياءً أحد التماسيح العابرة.
نُصِبَت خيامنا في دقائق معدودة فانطلقنا إلى البحر. كانت الرمال ناعمة جداً، ولم يكُن هناك من أحدٍ حولنا. قفزنا في الماء لنكتشف أن المياه ضحلة للغاية، لكن ذلك لم يردعنا؛ فقد كانت صافيةً ومنعشة.

وفي اليوم التالي ذهبنا إلى جولةٍ في البلدة. فعلنا بالضبط ما قاله لنا أهل البلاد، فمشينا من مخيَّمنا مسافة استغرقت 45 دقيقة في حر شديدٍ حتى وصلنا إلى المدينة. لكن هذه المرة كانت مختلفة؛ فقد كان معنا ماء. زرنا مدرسةً بها 10 مدرسين لأكثر من 1000 طالب، ومشفى يتعامل مع مئات حالات الوفاة كل شهر من الملاريا وحدها بسبب نقص شبكات الناموس (التي تبلغ قيمتها 10 دولارات وتنقذ أسرة كاملةً). لقد كان من المؤلم رؤية كم من قلوبٍ قد تحطَّمت هنا.

قضينا يومين في مدينة "شيتيمبا" التي تقع أيضاً على نهر مالاوي؛ وقد كانا أكثر أيام الرحلة صفاءً. جلست على أريكة في المقهى تواجه الشاطئ، وكل ما كنت أفعله هو النوم، والقراءة، والنوم مرةً أخرى.

لكننا اضطررنا إلى الاستيقاظ أبكر من السابق؛ فقد كان علينا مغادرة المُخيَّم في الثالثة صباحاً. إن تنزانيا لا تمزح بشأن المرور والمسافات. لقد أوقفنا أفراد الشرطة الجالسون على كراسي بلاستيكية لأننا تخطينا السرعة المقررة قليلاً من أجل بعض المتعة. بالتأكيد يمكنك الجدال معهم لكن أماكن التوقيف كانت بلا نهاية.

أمَّا المعبر الحدودي التنزاني عند "كوسومولو" فقد كان أبسط مما تخيَّلنا. لقد أخبرتنا "كولين" و"لولو" إنهم يُعددون أفضل "ساموسا" (أكلة هندية) يمكننا تناولها، وكنت أتحرَّق شوقاً لذلك. قمنا أيضاً بتحويل الأموال من رجلٍ يجلس في شاحنةٍ دخلنا إليه واحداً بعد الآخر لنُحوِّل العملات ثم نخرج. كان المشهد مضحكاً للغاية.

سافرنا من "شيتيمبا" مسافةً تبلغ 500 كيلومترٍ حتى وصلنا إلى "إيرينجا"؛ وكان الغريب في الأمر أنَّنا مررنا بكافة فصول العام. تقع "إيرينجا" على أعالي الجبل؛ فكان الصعود من مستوى سطح البحر إلى الأعلى يعني تغيُّر درجة الحرارة من 40 درجة مئوية إلى 15 في المساء. كان هذا المُخيَّم أحد أفضل المُخيَّمات التي زرتها؛ فكل شيء كان نظيفاً، حتَّى قررنا النوم في الخارج تحت الأغطية لكيلا ننصب خيامنا مرةً أخرى.

في اليوم التالي ذهبنا إلى "دار السلام"؛ وقد كانت رحلةً بشعةً لكنها مضحكة. استيقظنا في الثانية صباحاً وسِرنا، حرفياً، إلى الشاحنة ونحن في داخل حقائب نومنا لنستكمل نومنا هناك.

وحتَّى الخامسة صباحاً مررنا بوادٍ يُسمَّى "مقبرة سائقي الشاحنات"؛ وأخبرونا بألَّا ننظر من النوافذ إذا لم نكُن نتحمَّل منظر الدماء. إنَّه وادٍ ضيق للغاية والشاحنات لا تكاد تجد مكاناً للدوران إلى اليمين أو اليسار؛ ولهذا سُمي بهذا الاسم. وهذا الوادي هو الطريق الوحيد للوصول إلى "دار السلام" من إيرينجا".

كان هناك شيء متناقض في هذا الوادي؛ فبينما سِرنا بخطى مترددة إلى أسفل الوادي في سكون تام، كانت الشمس تشرق في المساحات الخضراء. تألَّقت ألوانها بشدة بينما كنا على شفا الموت ونحن نمُر بشاحنات قد انقلبت إلى جانبها. التقطنا أنفاسنا بارتياحٍ عندما وصلنا إلى الجزء السفلي من الوادي لنشاهد أشجار الباوباب الضخمة؛ وحينها استطعنا العودة إلى النوم.

كانت "دار السلام" تعج بالناس، أناس يشترون ويبيعون، وأناس يصرخون، وآخرون يسترخون، ورجال ونساء يمارسون الرياضة بزيهم العسكري. كان كل شبر من الطريق يشهد شيئاً ما. ثم كانت حركة المرور، أسوأ أعدائنا، فقد قضينا 4 ساعات لم نتحرَّك فيها سوى 30 كيلومتراً، وكان علينا الامتناع عن السوائل بسبب عدم وجود مراحيض؛ لذلك كان خيارنا الوحيد هو الآيس كريم؛ ولندعو الله ألَّا يُغشى علينا من الحرارة. وبعد رحلةٍ امتدت 16 ساعة وصلنا أخيراً إلى مُخيَّمنا المُطل على البحر لتناول وجبة عشاء شهية.

كانت جزيرة "زنزيبار" في انتظارنا. أخذنا "التوك توك" بين أزقة المدينة لنصل إلى مركبٍ تنقلنا إلى العبَّارة التي ستُقلنا إلى "زنزيبار". شهدنا الروتين اليومي للعُمال الذين يعبرون إلى الجانب الآخر من المدينة بالمراكب، محصورين في مساحةٍ ضيقةٍ مثل قطعان الأغنام. ويمكنني القول بثقةٍ إنَّنا في التاسعة صباحاً بدونا وكأننا كنا نسبح في الماء رغم أننا لم نخرج من المركب.

كان سلطان عماني هو من يحكم "زنزيبار"؛ ويظهر هذا في بناياتها. كانت الشوارع غير الممهدة تأخذنا إلى أكشاك السوق المفعمة بالحركة والحياة، والمقاهي، والجوامع. انتظرت العشاء بحماسٍ؛ فقد كنا نقترب من سوق المساء ولم أستطع التوقف عن التفكير في الشاورما التي أخبرتنا "كولين" عنها. تناولت 3 شطائر حتى لم أعد أستطيع التنفس.

وفي الصباح التالي ذهبنا إلى أجمل شاطئ رأيته في حياتي "نانغوي". كانت الرمال الناعمة تبرز بين ظلال الأزرق الملكي والداكن، وكانت المياه شفافة تكشف لنا الحياة البحرية تحتها بوضوح. كانت تلك هي آخر أيام الصفاء والحصول على سرير مناسب للنوم.

mrymhraz

شعرت بمشاعر متناقضة في يوم واحد. أحياناً كنت أقول: "لا أريد العودة إلى المنزل"، وبعد دقيقةٍ واحدةٍ أقول: "لا أريد سوى طائرة تعيدني إلى الوطن"، وبعد دقائق أخرى أكون مستمتعةً بوقتي على كافة المستويات. شعرت بأني مضطرة إلى التنازع مع عقلي طوال الوقت؛ فقد كنت مستعدةً للرحيل لكنني كنت أريد البقاء. كنت أعرف أني لم أكن أريد سوى بعض الراحة في النهاية، لكني كنت أفتقد الأكل في أي وقت، وأفتقد أغراضي، وأفتقد أسرتي وأصدقائي، وأفتقد البرد والظهور بمظهرٍ جيدٍ.

لكني، وبغض النظر عن كل هذا، كنت مستعدةً للجزء الآخر من رحلة الأربعين يوماً. سنعود الآن إلى البرية، حرفياً. وجهتنا القادمة هي حديقة "سيريجيتي" الوطنية وفوهة بركان "جورونجورو" المعروفة بالهجرة السنوية لأكثر من 1.5 مليون من الحيوانات البرية، وقطعان الحمر الوحشية، وعودة مرةً أخرى إلى النوم في البرية دون حماية على الإطلاق.


** الصور من مدونة مريم حراز عن رحلتها إلى أفريقيا.. المزيد هنا، ويمكن زيارة حسابها على انستغرام هنا.

لقراءة الجزء الأول من هذه التدوينة يُرجى الضغط هنا
الجزء الثاني اضغط هنا
الجزء الثالث اضغط هنا
الجزء الرابع اضغط هنا
الجزء الخامس اضغط هنا
الجزء السادس اضغط هنا
الجزء السابع اضغط هنا
الجزء الثامن اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.