المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم حراز Headshot

نحن الفتيات نسافر إلى أفريقيا "3"

تم النشر: تم التحديث:

بدأ اليوم الثاني في الخامسة صباحاً، فتحت على مضضٍ حقيبة نومي (Sleeping Bag) وأنا أُذكِّر نفسي كيف تهيأت بجدٍّ للتعامل مع الطبيعة والزواحف وما شابهها -لا تُسيئوا فهمي فأنا فتاةٌ من المدينة- لكني لم أُعد نفسي للاستيقاظ في الخامسة صباحاً، كانت السماء ما تزال مظلمةً والبرد قارساً في الخارج، أجبرت نفسي على المشي إلى مكان الاستحمام بمعدةٍ مُضطربةٍ بعد نوبةٍ من التسمُّم الغذائي وارتفاع درجة الحرارة، تطلعت حولي فإذا المكان خاوٍ تماماً، أصابني الإحباط، فقد اكتشفت أنَّني كنتُ الوحيدة التي تغلَّبت على ذاك الصوت الذي يدور في الرأس قائلًا: «عُد إلى النوم».

للمرة الأولى، سنعبر اليوم الحدود بسيارةٍ تقطع طريقاً بمساحات خضراء على جانبيه وعلى امتداد مئة وثمانين كيلومتراً، منطلقين من موقع مُخيَّمنا وصولاً إلى رمال «نوردوير» (Noordoewer) الذهبية في ناميبيا، فجنوب إفريقيا لم يكن سوى نُقطة التقاء نشقُّ بعدها طريقنا عبر شرق إفريقيا، وعلى الرغم من الحاجز الأمني على الحدود، مثَّل المشهد نفسه تغيُّراً صارخاً في المنظر: من المساحات الخضراء المورقة إلى الشجيرات الجافة والصخور، لم يكن هذا هو الشيء الوحيد الذي لاحظته، فالهواء هناك رطب، وشديد السخونة، ويعلُق ببشرتك، وبوصولي ناميبيا أكون قد أضفت بلداً جديداً إلى قائمة الدول التي زُرتها.

أُعطينا في نُقطة التحقُّق من جوازات السفر أوراقاً لنملأها، قمت بتسليمها إلى ضابطة الهجرة التي أشارت إليَّ بحدةٍ قائلة: «ما وظيفتك؟ فمِلتُ على أذنها هامسةً: "عاطلة". ظهر على وجهها المزيد من الارتباك لتسأل مرةً أخرى بصوت أعلى؛ فاحمرَّ وجهي خجلاً وحاولت رفع صوتي بالرد: "أنا عاطلة"، انفجرت بقية مجموعتي بالضحك؛ إذ يبدو أنَّ هذه هي المرَّة الأولى التي يكتب فيها معظمنا في خانة الوظيفة "بلا عمل".

بعد ثلاثين دقيقة بالسيارة وصلنا إلى مُخيَّمنا الثاني الذي يقع أمام نهر "أورانج" مباشرةً، والذي يبلغ طوله تسعمائة كيلومتر، ويفصل بين جنوب إفريقيا وناميبيا، ولكن ما أذهلني حقاً هو المنطقة المُحيطة به.

يقع مُخيَّمنا على أرضٍ ترتفع بضعة أمتار فوق النهر، كنا جميعًا مذهولين من المنظر المُحيط بالخيام الذي يخطف الأنفاس، يجري النهر بسلاسةٍ وهدوء إلى ما لانهاية، تُغلِّفه الجبال الشامخة.

وبينما أنصب خيمتي، وأحاول مُحبطةً ربطها إلى القطبين، عدَّدت سراً كل الأمور التي كنت أتطلَّع إلى القيام بها في هذه الرحلة لأشجع نفسي قليلاً، وبينما أنظر من فوق خيمتي وجدت أحدهم يرنو إلى الجانب الآخر، حيث جنوب إفريقيا التي أتينا منها للتو ويصيح: «دعونا نعبر النهر يا رفاق! ؛ فتوجهت بنظري إلى النهر، وكان رد فعلي الأوَّل: «كلَّا!».


كنت قد اشتريت بدلة سباحة إسلامية من موقع إلكتروني ماليزي لأجل هذه الرحلة، ولكنها كانت أصغر قليلاً من مقاسي ولم تُتَح فرصة إعادتها لأني اشتريتها في آخر لحظة قبل السفر، كنت أشعر بالتوتر كثيراً حين أفكر في ارتدائها، وكيف سأبدو، والأهم: كيف سينظر إليَّ الآخرون إذا ارتديتها، ثم بدأ ذهني ينتقل إلى مخاوفي الأخرى: السباحة في مياه غير صافية، لم أكُن بعد على استعداد لارتداء بدلة السباحة، لكن هذا بالضبط كان أحد الأسباب الرئيسية لهذه الرحلة: مواجهة مخاوفي. قررت ارتداءها وركضت عبر المُخيم لأغوص في النهر أملاً في ألَّا يلتفت إليَّ أحد.

كان الماء عكراً، لكنه كان بارداً ومنعشاً، غمرني شعورٌ بالراحة، لقد تغلبت على خوفي، سبحت إلى وسط النهر، فاقتربت من جبال جنوب إفريقيا التي باتت على بعد أمتار قليلة فقط، شعرت بالحماس يملأني حينها، سبحنا جيئةً وذهاباً، وصمَّمت على العودة في اليوم التالي وتصوير كل شيء بكاميرتي الـGoPro.

بعدها بساعةٍ بدأنا لعبة لكسر الجليد بيننا صنعها مرشدونا السياحيون، وبعدها ذهبت مع ياسمين وفابي لنتجوَّل في المنطقة ونلحق بغروب الشمس، وبينما هي تنحدر ببطء، تومض ظلال الجبال على النهر وتُغطي محيطها، ومع كل دقيقة تمر أصبح أكثر انبهاراً بالمناظر الطبيعية حولنا: انعكاسات الألوان، وتمايُل الأعشاب، والرمل، والماء. لقد جعلني غروب الشمس أشعر بالامتنان لكوني هنا، وفكَّرت فجأةً أنَّ كل الصعوبات التي واجهتني، من الاستيقاظ المبكر، إلى نصب الخيام وفكِّها، وتفريغها، والتعامل مع جميع أنواع التحديات يستحق حين يكون المقابل هو رؤية ما أراه الآن.

بعد العشاء كنت جالسةً مع بعض الألمان من مجموعتنا كانوا يناقشون الحرب في سوريا وأزمة اللاجئين، تحدثوا عن التبعات التي سوف تظهر في بلادهم من تدفق اللاجئين، ولكنهم أيضاً كانوا فخورين للغاية بسماح حكومتهم للاجئين بالدخول إليها أكثر من الدول الأوروبية الأخرى.

إنَّ هذا هو ما أعشقه في السفر، ليس فقط رؤية أماكن مختلفة، بل مقابلة أناس من خلفيات مختلفة ربَّما يرون العالم بطريقة مختلفة، السفر يجعلك ترى أكثر.

إنَّه اليوم الثالث في رحلتنا واعتادت ساعتي البيولوجية أخيراً على الاستيقاظ في الخامسة صباحاً، كنا سنغادر المُخيَّم عند الظهر، فقررت أن أذهب لأسبح مرةً أخيرةً لأتمكَّن من التصوير، وقبل أن ندخل إلى النهر رأينا ثعباناً عند أقدامنا والأسماك الطائرة تتقافز في الماء، قفز "أندريه" معنا، وبعد بضع دقائق شعرنا جميعاً بصعوبةٍ في اللحاق به وقرَّرنا العودة.

لا بد لي أن أتوقَّف هنا لأشرح ما كان يعنيه "أندريه" للمجموعة، فقد كان واحداً من أنفع الناس لنا، إنه شابٌّ ضخمٌ ذو لكنة دنماركية مميزة تثير ضحكي، كان "أندريه" على سفر مع صديقته لبضعة أشهر قبل الرحلة، ولكونه بحاراً يبلغ خمسة وعشرين عاماً من عمره، قال إنَّه معتادٌ على التوقيتات الصارمة والجدول الزمني المنضبط.

في البداية لم أكن أعرف شعوري نحوه، لكن تبين بعد ذلك أنَّه واحدٌ من أطيب الناس الذين التقيتهم، فلم يكُن يستمتع بالتعرُّف إلى الناس والحديث إليهم فحسب، بل كان يدفعنا للوقوف أمام التحديات التي تواجهنا، لم يكُن يتوانى في تجربة أمور جديدة، ويشجع نفسه لتحقيق أكثر ما يمكن أثناء السفر، كان "أندريه" يدفعني طوال الرحلة إلى تخطي ما كنت أعتقد أنه أقصى ما يمكنني فعله.

وبعدها ببضع ساعات، وبعد الاستحمام وتناول وجبة خفيفة، كنا في طريقنا إلى مخيم Hobus الواقع على أخدود نهر السمك (Fish River Canyon)، نظرنا بأسىً من خلال نوافذنا إلى الجزء الأخير من الطريق المُعبَّد قبل أن نصل إلى الطريق الترابي غير المعبَّد الذي سنقضي فيه بضعة أسابيع، كانت أصعب "وداعاً" نضطر إلى قولها حتى الآن.

قد يكون ما سأقوله بدهيًّا، لكن نصب الخيام على الرمال أصعب بكثير من نصبها على العشب، لكن المهم أننا ما نزال مُطلين على أخدود نهر السمك، أكبر الأخاديد في إفريقيا.

كانت تلك هي المرة الأولى في رحلتنا التي نتوغل فيها مشياً على الأقدام لثلاث ساعات، وكانت درجات الحرارة تزيد عن أربعين درجة مئوية، في هذا الوقت من العام من شهر أكتوبر، وكان ذلك اليوم أحد أصعب الأيام بالنسبة لي، فقد ارتديت حجابي من الخامسة صباحاً حتى منتصف الليل، شعرت حينها بقيمة مولدي في بلدٍ باردٍ.

لكن المنظر الطبيعي حولي أنساني حرارة الجو، وكان الأخدود يبدو مختلفاً كلما مشيت عدة أمتار بطريقةٍ لا توفيها الصور حقها، لكن الحرارة الشديدة تعود لتنسيني جمال المنظر.

مع اقتراب غروب الشمس تحلَّقنا حول وجبةٍ خفيفةٍ من الجبن والمشروبات للتمتع بما استحققناه من رؤية بانورامية مُذهلة للأخدود، كان مشهداً صافياً للغاية حين شاهدنا غروب الشمس في مكان رائع مثل ذلك، فغادرنا المكان بروحٍ معنويةٍ عاليةٍ جدًّا.

كنت أتوق إلى لحظة الوصول إلى خيمتي لأخلع الحجاب، اتضح فجأةً لي أنَّ هذا سيكون تحدياً آخر في رحلتي: ارتداء الحجاب لساعات طويلة في هذه الحرارة. لقد عزَّز هذا إيماني طوال الرحلة؛ فقد شعرت أني بحاجةٍ إلى القتال من أجل الحفاظ على حجابي، وكنت الشخص الوحيد في المجموعة التي أغطي شعري، كنت أصلي في خيمتي في درجات حرارة قاسية، وكنت أتردد على مكان الاستحمام ذهاباً وإياباً في الليل بحذرٍ حتى لا أواجه قرود البابون التي تحوم حول مخيمنا.

في تلك الليلة تلقينا أوَّل تحذير بشأن هذه القرود، خصوصاً إذا أردنا استخدام الحمام في الليل، تسارعت ضربات قلبي حين فكرت فقط في إمكانية مواجهة هجوم من قرود البابون وأنا أسرع الخطى لأذهب إلى دورة المياه.

أغلقت بدلة النوم على نفسي في تلك الليلة وأنا قلقةً بشأن الحرارة الشديدة التي تواجهنا، والتي تشتد كلما تعمَّقنا في الصحراء، لكني كنت أتوق لأرى في الأيام المقبلة المزيد مما تخبئه صحراء ناميبيا التي طالما حلمت برؤيتها.

mrymhraz
نهر أورانج، طوله 900 كيلومتر يمتد بين جنوب أفريقيا ونامبيا

mrymhraz
في الطريق إلى " أخدود نهر السمك "

mrymhraz
مساكن العمال في نامبيبيا

mrymhraz
أخدود نهر السمك الأكبر في أفريقيا

" يتبع"


** الصور من مدونة مريم حراز عن رحلتها إلى أفريقيا.. المزيد هنا، ويمكن زيارة حسابها على انستغرام هنا.

لقراءة الجزء الأول من هذه التدوينة يُرجى الضغط هنا
الجزء الثاني اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.