المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم عطواني  Headshot

لنعيش بخير

تم النشر: تم التحديث:

يفتخر الكثيرون بارتيادهم أشهر وأرقى الجامعات والمدارس العليا العالمية لما تقدمه لهم من تكوين علمي بناء يجعلهم في مأمن من رصاصة الجهل التي ما فتئت تنخُر عقول المتصدين لها إن لم نقُل تؤدي بهم إلى الموت.

ليصبح الطلبة في خضم هذا الصراع الدراسي كمُرتادي المراكز التجارية والمولات الكبرى الذين يلهثون وراء الظفَر بمنتوجات الماركات العالمية.. يتهافتون بدورهم على التخصصات التي تتمتع بشعبية واسعة في الأوساط التعليمية والمهنية على السواء، كذا وتلقى استحسان عامة الناس، متناسين ومتجاهلين الاستجابة لصوت ميولاتهم الداخلية، فتكون بمثابة المصيدة بالنسبة لهم.. الآن فقط تبدأ لعبة الهجوم ليخرج منها الطلبة مهزومين خاليي الوفاض، حيث يستعمل الملقنون أدمغتهم كسلة قمامة تستقبل ما بلي من الأفكار و ما صَلُح منها باعتبار أن العقل المتآكل الآيل للدمار لا يأبى إلا أن يدمر كل ما يعارض معتقداته.

فأن يكون مسارنا علميًّا فإن ذلك يتعارض مع القبول بكل ما نتلقاه من نظريات وفرضيات دون الأخذ والرد في أية واحدة منها، أو تعطيل العقل ليفكر في مدى مصداقيتها، لكن العلمي المحض هو الذي يتقن مهارة الشك في كل ما تم استعراضه عليه قبل الإقدام على مصادقة عناصر الأرض والسماء، ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا إذا كان الطالب مولعًا بما يدرسه ويكتشفه من مجالات، الشيء الذي يؤهله للمضي قدمًا لإضافة الجديد والمتميز، فينتهي بنقش آخر كلمة تؤكد على حضوره وتفرُّده خلال مسار خط الزمن، في موسوعة العلوم.

أرى أن الخطر الذي يهدد الطلبة أو أي شغوف بالعلوم على وجه العموم أكبر بآلاف المرات من خطر نيزك ضخم قد يرتطم بالأرض فينهي ما عليها في لحظات، أما تأثير الأول؛ فلا يمحو أثر الحياة بل يعذب مدى الحياة.. فتفوز إذن نظرية تطور الجنس البشري، مَصَب تقدير العقول التي لم تشهد بتاتًا هذا التطور ولم تلمسه على أرض الواقع، بل آثرت الاكتفاء بما جاء به العلماء كقولهم: منذ ملايين أو آلاف السنين -على سبيل المثال- لكنهم بالمقابل لا يحاولون تجسيد هذا التطور -إن اعتبرناه أكيدًا- كتحفيز خلاياهم وخلق طفرات ذهنية تمكنهم من التعايش مع ما نسميه غير ممكن، و يفضلون التعايش بسلام مع ما قدمه لهم أساتذتهم والاكتفاء بالحفظ والترديد والعيش في دائرة الأمان، دون التفكير في أن مبدأ التأقلم هذا الذي يفضلون نهجه والذي لا يتوافق وقدراتِ الجنس البشري العقلية الإبداعية هو المرتكز والأساس والدليل الدامغ على خطأ تلك النظرية.

قد لا أرسل أبنائي يومًا إلى المدرسة، لكي لا يضطروا لقضاء الليل في حفظ بضعة أسطر من شعر ميخائيل نعيمة وشارل بودلير، أو تكرار تمارين رياضيات أو فيزياء تنهج نفس الأسلوب لتصبح مثل ذلك الشعر منسيةً بعد اجتياز الاختبار، لكن ما سأضطر إليه هو أن أزرع فيهم شغف البحث، طعم الفضول للمعرفة، والأهم: مبدأ الشك، الذي يدفعهم للمضي خطوات إلى الأمام، آنذاك فقط أستطيع أن أضمن أن البشرية بخير.