المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم علاء مصطفى Headshot

بين مكتوب لم يُقصَد.. ومقصود لم يُكتَب!

تم النشر: تم التحديث:

منذ فترة كتب أحد المدونين نافياً عن المثقفة مظهراً من مظاهر احترام الزوج وتبجيله، في تعميمٍ واضح يقرن بين ثقافة المرأة وعدم احترامها لزوجها، وتأكيد على أهمية "المبالغة" في احترام الزوج وتقديره وخدمته في الإسلام، ثم ردّ على منتقدي ذلك بالتدوين عن "حق الأزواج شرعاً في ضرب الزوجات للتأديب"!

لكن ما يسترعي الانتباه حقيقة أن نجد ربطاً بين الاستياء من المثقفات وبين "ضرب الزوجات"، في سياق يشيد بضرورة "الترابط الأسري" في المجتمع؛ ليكون السؤال أنّى لذلك الترابط أن يتحقق ونحن نلوّح للمسلمة بمناسبة أو بدون مناسبة بأحقية الزوج في تأديبها بالضرب؟! هل هكذا يكون الدفاع عن الدين وأحكامه؟!

لعل الأهم أيضاً هو أن حقيقة الدين ليست بشعة؛ لكي يطالب أحد بتقبّلها، وهي عندما تَغِيب، من الطبيعي أن نجد استدلالاً في غير موضعه، أو استغلالاً للنصوص لخدمة آراء مجردة من الإنصاف، كما يفترض أن "المثقفين" يدركون -قبل غيرهم- أن ما شرعه رب العالمين ليس بحاجة لأن يروقَ لأحد حتى يكون مقرراً، ولذا علينا أن نعطيه قدرَه فيما نتكلم تبياناً وعدلاً، أو أن نصمت، فهذا أولى من الانتصار لآرائنا.

إن من المؤسف حقاً ألا يجد بعضنا غضاضة في الاستشهاد بحديث أنكره محدثون لعلة فيه "ينزه عن مثلها الوحي وألفاظ النبوة"، فضلاً عن شدة ضعفه في رأي متخصصين، ثُم يبرر بـ"أن أهل العلم رخصوا في الاستدلال بالأحاديث الضعيفة"، دون التقيد بشروطهم في ذلك، في سياق يدعو إلى القضاء على محدودية المعرفة بالدين، بما يمثل تعارضاً لا يعني سوى مجانبة الصواب.

ولا أدري لماذا يضيق بعضنا بثقافة المسلمة ويعتبرها نوعاً من الترف المضر؟ على الرغم من أن الدور الذي تؤديه المرأة الواعية ذات المعرفة لأسرتها ومجتمعها لا ينكره على منصف، فمما ضيع مجتمعاتٍ كانت في وقت ما عظيمة، تغييب هيبة وقداسة ما تقدمه المرأة لها، والذي يتطلب علماً وفقهاً ومعرفة وثقافة.

والمخجل في الواقع ليس فقط أن تمثل أحكام الدين "عبئاً" على بعضنا، بل مَن يقدمها للناس في قالب منفر ترغب عنه النفوس، وفهم المسلم -من غير أهل العلم- لبعض أحكام الدين لا يكون بالضرورة صحيحاً ورأيه فيها بالتبعية ليس مقدساً أو ملزماً، يقول تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ".

وإذ ثمَ فارق بين الواقع والمراد في كثير من الأحيان، فإننا ملزمون -في هذا السياق أكثر من غيره- بدراسة ما قد يترتب من عواقب، حتى لا نضر من حيث أردنا أن ننفع، فنحن للأسف نضيع الكثير بين مكتوب لم يُقصَد ومقصود لم يُكتَب، وحتى لا نكون من "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً".

والكاتب لا بد أن يحترم جمهور القراء بكل أجناسه وأطيافه، وأن يضيف لهم ما يجدي نفعاً دونما إهانة أو انتقاص، فكما أن من حقه أن يكتب ما يريد، وأن يتبنى حراً ما يشاء من آراء، من حق الجمهور أيضاً أن يعترض ويحتج، ولأن الكلمة مسؤولية، ليس من الحصافة أن يستعدي الكاتب الجمهور مهما غَرَّه بريق المبررات، فهذا لن يصب في صالح أحد لا هو ولا الجمهور، وبالطبع مقصده مهما كان نبيلاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.