المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Marc Benioff Headshot

الشركات هي المنصّات الأهم لإحداث التغيير

تم النشر: تم التحديث:

أتذكر كل يوم أننا نعيش في أكثر العصور من حيث الإثارة وحجم التحوّل والتغيير فيها على مدار التاريخ. على مدى أكثر من 35 عاماً قضيتها في صناعة التكنولوجيا، لم أر أبداً هذا الكم من الابتكار بهذه السرعة التي لا تصدَّق. التغيرات التكنولوجية التي أحدثتها شبكات التواصل الاجتماعي والسحابة الإلكترونية وعلوم البيانات وإنترنت الأشياء غيرت كل شيء في كل الصناعات، من النقل والمواصلات إلى وسائل الترفيه والتسوّق وحتى الخدمات المصرفية.

بالإضافة لكل ذلك، النقلة الكبيرة التي حدثت في مجالات الذكاء الاصطناعي والكمبيوتر الكمي والروبوتات والطاقات النظيفة والهندسة الوراثية وغيرها من المجالات لديها قدرة على تغيير شامل في مجالات التصنيع والزراعة والطب وشتّى المجالات، فيما يحاول أصحاب الأعمال والشركات في كل مكان مواكبة هذه التطورات التكنولوجية الرهيبة.

لقد حان الوقت الآن لكل أصحاب الأعمال ومديري الشركات لوضع تلك الطفرات التكنولوجية في الاعتبار لتدخل ليس فقط في شركاتهم، بل في مجتمعاتهم بشكل كامل. هذه التكنولوجيا المذهلة لم تخلق فقط فرصاً تاريخية للنمو الاقتصادي، بل وأيضاً فتحت الباب أمام تغيّرات مجتمعية حقيقية، ربما ستقودنا هذه التكنولوجيا إلى استبدال الكثير من الوظائف الحالية بآلاتٍ ذكية وروبوتات يمكنها آداء المهمة بكفاءة تامة ودون توقف. سيكون لمجال الذكاء الاصطناعي والهندسة الصناعية التحكّم الأكبر في كل هذه التغيرات بالتأكيد.

أما نحن كمجتمع، فنحن على أعتاب دخول أرض جديدة وعالم جديد حيث الحكومات ومديرو الشركات والمجتمع العلمي والمواطنون أنفسهم يحتاجون إلى العمل معاً لتحديد المسار الذي ستتجه إليه تلك التكنولوجيا والذي نرغب بالتأكيد أن يكون لصالح خدمة البشرية وتقليل الأخطار التي يواجهها الناس.

البروفيسور والخبير الاقتصادي العالمي كلاوس شواب- مؤسس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي- يذكر في كتابة الجديد (الثورة الصناعية الرابعة) بأنه إذا لم يستطع من يقودون القطاعين العام والخاص على مستوى الصناعة إقناع الناس بأنهم يقدمون استراتيجية جديدة لتغيير حياة الناس للأفضل، فقد تحدث نتائج غير مرغوبة كالاضطرابات الاجتماعية والهجرة الجماعية وانتشار التطرف والعنف وهو ما سيكون خطراً كبيراً على البلدان في جميع مراحل التنمية.

يعتقد الكاتب أن مجال الأعمال هو المنصة الأهم لإحداث تغيير ما أو عمل أثرٍ هائل على تحسين بلد ما وبالتالي العالم بأسره، وكوننا قادة في هذا المجال يعني أننا في موقع مؤثر ولدينا مسئولية كبيرة على عاتقنا، نحن مسؤولون من خلال تأثيرنا على عدد كبير من البشر سواء كانوا موظفينا أو عملاءنا أو شركاءنا، بل ومسؤولون تجاه الإنسانية كلها.

هذا الإيمان الحقيقي أصبح أكثر عمقاً بالنسبة لي بسبب اجتماع حضرته في العام الماضي في مدينة جينيف وجمعني مع بيتر مورير -رئيس المنظمة الدولية للصليب الأحمر- حيث تناقشنا بشأن الوضع المأساوي لمليون مهاجر يطلبون اللجوء لدول أوروبية وحجم المسئولية التي تقع عليه هو ومنظمة الصليب الأحمر لمساعدة هؤلاء. بينما كان يتحدث، لاحظت صورة معلقة على الحائط لرجل لم أره من قبل، لقد كانت لرجل الأعمال السويسري هنري دونان والذي عرفت فيما بعد أنه صاحب فكرة إنشاء منظمتي الهلال الأحمر والصليب الأحمر وأول من حصل على جائزة نوبل للسلام.

نبع إيمان دونان بتنفيذ هذه الفكرة من كونه قد عايش أحداث معركة سولفرينو في إيطاليا في صيف عام 1859 وشهد آثار تلك الحرب، حيث كانت معركة كبيرة بين الجيش الفرنسي بقيادة نابليون الثالث بالتحالف مع جيش سردينيا بقيادة فيكتور إيمانويل الثاني وتمكنوا من هزيمة الجيش النمساوي بقيادة فرانز جوزيف الأول. كانت نتيجة هذه المعركة هي 20000 مقاتل بين قتيل وجريح في حالة خطرة. قام دونان بتطبيق فكره الريادي وقام بإدماج السكان المحليين في عملية علاج المصابين إلى أن استقرت حالتهم، كما قام بجمع التبرعات لشراء المستلزمات والمواد الأساسية لبناء مستشفيات مؤقتة لعلاج المصابين.

بعد عودته إلى جنيف، كان دونان قد اقتنع بفكرة إنشاء منظمة تعمل على تحسين الخدمات الطبية في حالات الحرب والتي أدت فيما بعد لتأسيس منظمة الصليب الأحمر عام 1863. واليوم، تواصل منظمة الصليب الأحمر تلك الجهود لتخفيف المعاناة عن الشعوب في جميع أنحاء العالم، حيث يعمل فيها حالياً 12000 شخص في 80 دولة في جميع أنحاء العالم. أعتقد أن ما قام به دونان هو نقلة كبيرة جداً يحتاج أن يقوم بها الكثير من رواد الأعمال، فباستخدام ما لديهم من فكر ريادي وموارد وعلاقات يمكنهم أن يفيدوا الإنسانية بشكل مذهل، ولن نتمكن من مواجهة التحديات المقبلة على العالم سوى بهذه الطريقة.

في شركتي -سيلزفورس- وضعنا العمل الخيِّر كجزء أساسي في نموذج عملنا منذ أول يوم لنا، وقمنا بوضع نسبة من التكنولوجيا والموارد البشرية المتوفرة لدينا لمساعدة المنظمات غير الهادفة للربح في جميع أنحاء العالم لتأدية رسالتها. حتى الآن، قمنا بتقديم أكثر من 100 مليون دولار في صورة منح ومساعدات، كما قام موظفونا بأكثر من 1.1 مليون ساعة من العمل التطوعي كما قمنا بتقديم منتجاتنا لأكثر من 27000 منظمة، كما تبعت أكثر من 550 شركة نموذج العمل الخاص بنا وهو توفير 1% من عائدات الشركة وساعات عمل موظفيها بالإضافة إلى منتجاتها لخدمة المجتمع.

نحن وكل هذه الشركات كنا قادرين على النجاح وتحقيق الربح المالي بالإضافة إلى نجاحنا في المساهمة في جعل هذا العالم مكانًا أفضل. كرواد أعمال، يمكننا أن نتحد ونشارك مع عملائنا وموظفينا وشركائنا ومجتمعاتنا وحكوماتنا لخلق ثقافة الثقة التي نحتاجها لجعل خدمة الإنسانية في المقام الأول قبل أي شيء، ويمكننا كشركات دخول مجال العمل الخيِّر والمجمتعي دون التأثير على الجانب التجاري والربحي. يمكننا إيصال هذا الفكر من خلال تعديل الأنظمة الدراسية والتعليمية ليحمل العاملون في المستقبل هذا الفكر، يمكن أن نعمل سوياً على أن يكون هذا التطور التكنولوجي الكبير في خدمة البشرية بشكل كامل وليس لخدمة أشخاص بعينهم.

تحقيق التقدم والنجاح بالنسبة لرواد الأعمال سيكون مرتبطاً فيما بعد بقدرتهم على النجاح في استغلال التقدم التكنولوجي لخدمة هذا العالم، ولن يصبح هذا الأمر مسئولية الحكومات وحدها، وكما يقول مارتين لوثر كينج الحاصل على جائزة نوبل للسلام أيضاً "السؤال الأكثر إلحاحاً في هذه الحياة هو: ما الذي تفعله من أجل الآخرين؟"

المقالة الأصلية باللغة الإنجليزية منشورة هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.