المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مرح سليمان أبوحسين Headshot

تيتا فلسطين

تم النشر: تم التحديث:

جدتي أم بشار من قرية بيت ليد في فلسطين، أو كما اعتدت تسميتها (تيتا فلسطين)، وُلدت جدتي وعاشت حياتها في قرية صغيرة في فلسطين ولم أكن أراها إلا نادراً في إجازاتها القصيرة عندما كانت تأتي لزيارتنا في الأردن؛ فوالدتي كانت قد فقدت تصريحها وأضاعت حقها في زيارة وطنها (فلسطين).

إنني أذكر اليوم بعد خمسة عشر عاماً أهمية تلك الدروس التي كانت تعطيني إياها (تيتا فلسطين) بشكل غير مباشر وفي جميع أمور الحياة، وإلى اليوم ما زال حبّها للحياة وتعلقّها البريء في المبادئ والأشياء هو محط اهتمامي الأول دائماً، كإخبارنا في كل إجازة أن فلسطين سوف تتحرر لأنها تدعو بذلك خلال صلاتها، وتراها تستمر بالحديث لتأخذنا إلى أماكن وأحلام أبعد من الواقع الحزين، فتجدها تقول: سوف يفتح الجسر أبوابه لمن فقدوا تصاريحهم وستأتي والدتكم إلى قريتها قريباً، أما أنتم فتحملون جنسية والدكم الأردنية؛ لذلك ستلحقون بوالدتكم على الفور، وستزورون بيت ليد في كل إجازة.

وتكمل كلامها بكل حلم وبراءة: وستأتون للعمل والزواج هنا في فلسطين وتشاهدونني وأنا أعجن الخبيز في الطابون خلف المنزل.

اعلم -عزيزي القارئ- أنك الآن تشاهد تلك الصورة البهية للقصة أمامك كما كنت أراها أنا في كل حديث أسمعه من جدتي، واعلم مثلك تماماً بأن كل ذلك مجرد حلم بعيد كل البعد عن الحقيقة، إلا أنه يمنح شعوراً رائعاً بالتفاؤل كأن الحياة ستقوم بانتظارنا لحين وصول كل اللحظات التي نحلم بها، تلك الأحاديث أو (التخاريف) الطويلة زرعت في داخلي شيئاً ظلّ يكبر معي في كل يوم؛ إنه الأمل!

وهو شيء ثمين لا يحصل عليه كل إنسان، جعلني أجري دوماً خلف أحلامي بإصرار دائم، تماماً كمحاولات جدتي في التقديم كل سنةٍ على (لمّ شمل) أبنائها الذين فقدوا تصاريحهم.

2017-10-27-1509148689-1633539-1371300435.jpg

كل هذه الصفات الرائعة المتسترة خلف رداء يسمّى البساطة (السبحانيّة) تنّم عن ذكاء لم يظهر للعلن بسبب الأمية العتيقة، وهذا كان من أحد أهم أسباب حبّ جدتي الكبير للعلم، بل بإمكاني القول تقديسها له، فدائماً تراها تصرّ علينا أن ندرس ونثابر حتى نصبح مثل أولئك اللاجئين المغتربين الذين درسوا وسافروا خارجاً ليغيّروا حياتهم ويعوضّوا أهلهم عن كل الأيام الصعبة التي عاشوها، وكم كانت تقص علينا قصّة الطلبة في بيت ليد والذين يحملون مسؤوليات الفلاحة مع مسؤولية الدراسة؛ فتخبرنا بأننا إن زرنا بيت ليد سنجدهم يعتلون ظهر الحمار للذهاب إلى الفلاحة، ويمسكون الكتاب بيدهم ويقرأون خلال طريقهم إلى الأرض.

يمكن أن هذا المشهد قد حصل مرة واحدة فقط، لكنها تصوّر الأمر وكأنه يحدث في كل يوم، وتلك القصص رغم بساطتها كانت تمنحني شعوراً بواجبي الكبير تجاه دراستي؛ لأنه سيكون تكبراً على الحياة إن لم أدرس جيداً مع توافر كل ظروف الراحة تلك، وعندما أصبحت من المتفوقين بدأت (تيتا فلسطين) بإخباري دائماً وفي ثقة تامة بأنني سأصبح مهندسة، مع أدعية وأمنيات حارّة بحصول ذلك، والآن بعد أن كبرت وأصبحت مهندسة معمارية عرفتُ بأنها كانت -بشكل لا مباشر ودون أن تعرف- تستخدم طريقة كتاب (السر) الشهير، فإذا أردت شيئاً بشدة ستتعاون جميع ظروف الحياة لتحقيقه لك؛

ولكنها كانت تتحلى أيضاً بالإيمان الحقيقي الذي يملكه (المؤمن الحق) فقط

.

جدتي اليوم في زيارتها المعتادة لنا، وها هي تخبرني بأنه عليَّ أن أقوم بتأسيس شركة تصميم داخلي، هي تعلم أنني لا أملك رأس مال يكفي لتأسيس شركة كتلك، ولا أملك الخبرة في إدراة الأعمال، ولكنها لا تعلم أنها وبشكل لا إرادي جعلتني أقوم بقراءة ما يزيد عن عشرين كتاباً في أسس إدارة الأعمال والتسويق، بالإضافة إلى تحضيري لخطة عمل كاملة والبدء بالبحث عن ممولين.

لا أعلم إن كنت سأجد مموّلين لمشروعي الجديد، أو عملاء تلقى تصاميمي استحسانهم، لكن عندما يحصل ذلك عليَّ أن أكون مستعدة تماماً؛ لأن (تيتا فلسطين) دائماً على حق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.