المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مرح سليمان أبوحسين Headshot

ماذا لو كانت العمارة تنمو؟

تم النشر: تم التحديث:

الهندسة المعمارية هي حياة بأكملها؛ عندما نريد دراسة تاريخ أي حضارة أو التعرف على طريقة حياتها، فإننا ننظر أولاً إلى تطورها العمراني؛ لأنها تعطي لنا انطباعاً قوياً وصريحاً عن طريقة الحياة المتبعة في تلك الحضارة.

فعلى سبيل المثال لو نظرنا إلى العمارة في مصر سوف نعرف على الفور أن هناك كثافة سكانية كبيرة في تلك الدولة، وإذا نظرنا إلى أبنية سوريا أو غزة مثلاً سنعرف حتماً أن هناك حرباً طاحنة حولت تلك المباني المعمارية إلى فتات العمارة بالفعل تخبرنا القصة؛ القصة الكاملة للمكان، إنه شيء مثير للاهتمام جعلني أسأل نفسي عشرات الأسئلة في كل يوم، أغربها كان: ماذا لو كانت العمارة تنمو؟ ماذا إذا كنا نستطيع التحكم في سلوك المواد؟ ماذا لو حاولنا صنع تكنولوجيا جديدة مثل تكنولوجيا الزراعة المائية التي تحقن المزروعات بمواد محددة مدروسة تحدد سلوكها؟ ماذا لو أمكننا أن نتوصل لذرات تلك المواد ونجعلها قابلة للنمو؟! ماذا؛ حقاً ماذا لو كانت العمارة تنمو؟

في الحقيقة الفكرة تبدو كأنها مشهد من فيلم خيال علمي؛ غريبة وشبه مستحيله؛ لكنني كمعمارية اعتدت على التفكير بغرابة، أعني أن العلماء عندما طرحوا فرضية أن الأرض كروية؛ هاجمهم الكثير من الناس واليوم ها نحن ذا، في هذا العالم كل شيء يبدو قابلاً للتطبيق.

لذلك كنت أحاول أن أجعل أسئلتي منطقية نوعاً ما فبدأت أبحث عن سلوك المواد، وعن مدى إمكانية السيطرة على خصائصها، وبدا لي أن العلم يلقي اهتماماً كبيراً في هذا الموضوع؛ لكن ما كنت أتخيله هو أكبر بكثير وأبعد بكثير عن كل شيء.

كنت أتساءل عن تقنية تمكننا من تغير سلوك المواد المستخدمة في البناء بشكل كامل، لا أعلم، مجال مغناطيسي، حقنها بمواد كيميائية، المهم أن نجعل تلك المواد بطريقة أو بأخرى تكتسب خاصية التوالد والتمدد اللانهائي، أن نتحكم بسلوك الذرات والإلكترونات، ونجعلها تتوالد وتنقسم بشكل مستمر، فتبدأ تلك الوحدة المستخدمة بالبناء بالتوالد تلقائياً وتشكيل جزء ضخم من المبنى، إنها حقاً طريقة ممتعة بالتفكير.

الجميل في العلم أنه قد تولد من فكرة كانت في يوم ما خيالاً، والخيال هو شيء لا محدود ولا تحكمه أي قوانين.

الخيال فكرة رائعة؛ لكن بعض الأشخاص يفضلون التفكير بمنطقية، أما أنا فأملك أملاً كبيراً بما أقوله هنا؛ لأن العلماء مؤخراً بالفعل نجحوا في تغيير سلوك مادة الكربون عن طريق تقنية النانو، وهي تقنية تقوم على تحويل الجزيئات المكونة للمادة إلى جزيئات صغيرة جداً بمقاس النانومتر، وتم استخدام هذه التقنية على مادة الكربون عن طريق تفريغ القوس الكهربائي والتذرية الليزرية، أول أكسيد الكربون عالي الضغط، والترسيب الكيميائي للبخار، أو بطريقة أبسط تبخير هذه المادة ثم إعادة تجميع ذرات هذا البخار.

هذه التقنية منحت مادة الكربون خصائص جديدة كلياً، مما جعلها المادة الأكثر صلابةٍ، وجموديةٍ بين المواد التي تم اكتشافها من حيث مقاومة الشد ومعامل المرونة على التوالي.
2018-01-28-1517169763-3441159-2120358068_c92478a4eb_b.jpg

تلك الأفكار جميعها خدمت الإنسانية بشكل كبير، وفكرتي كذلك كانت تقريباً تتجه للدول التي تشهد حروباً مستمرة، فبدلاً من نزوح السكان أو تهجيرهم بسبب تدمير المساكن، لربما لو اكتشفنا تقنية تجعلنا نتحكم بسلوك المواد، لربما لن يحتاجوا لمغادرة أوطانهم، لربما ستكون تلك المواد صلبة بشكل لا يمكن تدميره من قبل قذيفة، أو لربما بإمكاننا أن نجعلها متوالدة بحيث لو تهدم جزء من المبنى فسيعيد ترميم نفسه تلقائياً، لربما ستصبح العمارة حينها هي المنقذ والأمل الوحيد لهؤلاء الناس، لن يضطروا للهرب والتشرد، لن يضطروا لانتظار وكالات المعونات حتى ترسل لهم بعض الخيم البالية، ستصبح العمارة حينها هي الشيء الأكثر إنسانية في الحرب، هذا ما سيحدث لو كانت العمارة تنمو.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.