المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منار فارس Headshot

الجسر

تم النشر: تم التحديث:

في فجر يوم صائف عام 1995، كنت أقف خلف نافذة إحدى فنادق عمان البسيطة، أشهد حركة السيارات مع صوت أمي الدافئ، توقظ إخوتي للاستعداد لمرحلة الأخرى من سفرنا، قادمين من رحلة برية طالت بنا يومين وليلة، كنت في السابعة من عمري، وكانت هذه المرة الأولى التي أذكر منها بعض ملامح سفرنا إلى فلسطين!

أقلتنا سيارة أجرة للوصول إلى المنفذ الوحيد الذي يقصده الفلسطينيون المقيميون أو المغتربون للخروج أو الدخول من الضفة الغربية، هذا المنفذ اليتيم هو حكايتي اليوم..

هذا المنفذ لا يعرفه الكثيرون ولا يدركون حقيقة سفر الفلسطيني ذهاباً وإياباً! فلا أحد ينتظرنا بباقة ورد بيضاء يختبئ من بينها البنفسج في المطار! فلا طائرات تهبط في الضفة الغربية! كثيراً ما كنت أقص هذه الحكاية للمتسائلين في بلاد الغربة عن حال المسافر الفلسطيني! فوصولنا إلى مطار الملكة علياء لا يعني إلا بداية الرحلة لا انتهاءها.

هذا المنفذ كان من الممكن أن يكون معلماً من معالم التاريخ ومزاراً للمهتمين بالآثار، فهو عبارة عن جسر فوق نهر الأردن، بداية بُني في عهد الدولة العثمانية من خشب، ومن ثم أعادت بريطانيا بناءه خلال الحرب العالمية الأولى من الحديد وبعدها تم بناؤه من الإسمنت. كانت له أدوار ووظائف متعددة بحسب المستخدم والزمان والغاية، كان لتسهيل المرور ونقل الغذاء والتجارة وبعدها إلى نقل السلاح ومعدات الحرب وأخيراً بات لنقل المسافرين، المهمة الأخيرة له في سن التقاعد!

هذا المنفذ التاريخي يسمى بجسر الملك حسين في الأردن، ويسميه الاحتلال (معبر أللنبي) نسبة لأحد قادة جيوش الانتداب البريطاني، أما الفلسطينيون فيسمونه رسمياً معبر الكرامة وشعبيًّا يقال له "الجسر".

من الضفه الغربية تصل إلى معبر الكرامة عبر مدينة أريحا -مدينة القمر- التي تقع خلف نهر الأردن،
ويصل إليها المسافرون من الضفة برًّا عبر طرق جبلية معبدة صعبة وخطرة، وتبعد عن مدينة عمان 60 كم؛ لتأخذ منا رحلة المعبر يوماً كاملاً تطول أو تقصر الساعات بحسب المزاج الإسرائيلي والزحام.

إحدى أهم فقرات الرحلة هو التعذيب النفسي البطيء، مراحل متتالية وتفتيشات وتدقيقات ومدافعات في وسط الزحام الذي لا يرحم صوت الرضيع ولا امرأة منهكة تسافر إلى زوجها، ولا يحترم عكاز شيخ غادر لزيارة ولده في إحدى دول الخليج، ولا يعطف على سيدة كبيرة تحمل ما لا تطيقه من حقائب بها خيرات فلسطين لابنتها التي ستلد في غربتها ولا يرحم عزاء شخص عاد منكباً على وجهه ليدرك جنازة والده، أبسط كلمة قد تسمعها بعد مجاهدة الوصول لكاونتر المجند أو المجندة حين تُحتجز وثائقك "قفي!".

وقد يطول بك الانتظار إلى ست ساعات أقل أو أكثر على مقاعد حديدية محاطة بعيون القادمين المنهكين من جمع الحقائب الملقاة على الأرض بطريقة فظة يسعى إليها المسافرون ركضاً لإجراء عملية البحث.

وقد تمر من أمام حقيبتك دون أن تتعرف عليها لهول ما أصابها من تعنيف إجراءات السفر، ناهيك عن معاناة بعض الفئات كالنساء والطاعنين في السن عن مجاراة سباق جمع الحقائب ومحاولة إدخالها للحافلات التي ستنقلها بين المحطات! وقد تتأخر حقيبتك وتضيع بين الحافلات وتضطر لانتظارها ساعات أخرى لتعود لك كطفل أضاع أهله فتفرح لرؤيته؛ فالفرج قد أتى!

في ساعات انتظارك لوثيقتك المحتجزة.. تتبادل مع القادمين نظرات تحكي الوجع والذل والمواساة، لا تستطيع أن تُبادلهم الابتسامة احتراماً لكمية الألم والذل التي تجرعها كل مسافر، في ساعات انتظارك تحاول أن تهذب هندامك وتبدأ بنفض الغبار عنك وبمسح العرق صيفاً أو مسح بقايا الأمطار والطين العالقة شتاء، يُعد هكذا تصرف ترفاً لا يليق بحقارة المكان، ستألف صوت بكاء الأطفال الذين ينتظرون مع ذويهم لطول الانتظار وستلاحق عيناك عامل النظافة لفضول لا معنى له، وقد تبدأ بتأمل الأرضيات والأسقف لفرط الكآبة فلا مكان للقراءة والكتب! فالكتب تختنق من صوت الأحكام ورائحتها التي تتحكم بمصير آلاف الفلسطينيين بلا أدنى حق.

حين يطول جلوسك تمر بمخيلتك ملامح الماضي وذكرياتٍ مدفونة تنفضها لحظات الانتظار الثقيل، يبرق نسيم من ينتظرونك أمام عينيك فتبدأ بتنسيق جلستك، تنتهي الذكريات ويبدأ الخوف بالتسلل إلى قلبك، لا يخاف الفلسطينيون الموت أو الأسر فقد أُشربوه، لكنهم يخافون على من معهم أو من ينتظرهم! فقرات الجسر طويلة مقيتة تركب من حافلة لأخرى وتتنقل ما بين تدقيقات السلطة الفلسطينية والاحتلال والأردن والعكس، تجد نفسك في كثير من اللحظات مُسيراً لا تملك سوى التمتمات مع من حولك والدعاء من أعماقك!

مذ عشت الغربة في طفولتي حتى هذه اللحظة.. وأنا أتكبد نفس عناء السفر، لم يتغير أي شيء، معاناة الجسر كما هي، لكني بعد أن أصبحت أماً بدأت أعيش سر نظرة الخوف في عيني أمي و أبي والتي كنت أجهلها في صغري، فهل ستعيش طفلتي ما عشته في السفر من طفولتي إلى هذه اللحظة؟ طفلتي ذات العامين والتي اعتادت أن تقول "عمو" لكل رجل تراه، فكانت تنادي جنود الاحتلال بذلك مبتسمة فاستنكرت في صمت ونهي بسيط وانتظرت حتى تكبر.

فالصمت هناك حل لكثير من الأمور لا تجد لها حلاًّ! تنتهي رحلتك لتجدد قرارتك ومخططاتك بما يخص الرحلة المقبلة وكيفية محاولة تقليص المعاناة وتنسيق مواعيد السفر والمكوث في المطار منتظراً بحسب مزاج الاحتلال وترتيب حقائبك وشد الوثاق عليها خشية تلف ما بداخلها! فهل ستهبط طائرة في القدس أو رام الله يوماً ما وأحمل من أحبتي باقة الورد التي أحب؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.