المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منال قايد Headshot

تاريخ الضحايا

تم النشر: تم التحديث:

يحدث هذا كل ليلة وأنا أطهو قرارات الغد المتفحمة مسبقا.. أفكر بالهجرة أحلم بالسفر أغازل الغربة بشغف كبير وأوقعها في شباكي.. أرى نفسي في صالة المغادرين بالمطار، أسمع نداء الرحلة وأمسك بيدي جواز سفر لم أملكه بعد.. أصعد سلم الطائرة بعد أن أودع الجميع وأترك رسائل حزينة لمن لا أقوى على الوقوف أمامهم واحتمال وداعهم..
أرى حتى وجه المضيفة الجميل وأحقد كثيرا على قامتها الممتدة وأقرر أن لا أجازف بالوقوف إلى جوارها..
أشعر بمغص خفيف كلما تخيلت أن طائرة بيضاء تحلق بي. أفقد وعيي قبل أن أطير وأستسلم للنوم، أعد نفسي مرارا أن لا أطارد حلما آخر غير الهروب من كتلة الجحيم التي تسمى "وطن".

لكن الأقدار تغتالني دائما وتقدم لي خدمة اكتشاف الأوهام التي أطاردها مبكرا. عن طريق الصدفة أحضر حفلا لفعالية ما تبدأ أولى فقراتها بعزف النشيد. أحاول أن أبدو غير مبالية لكن قشعريرة ما تتسرب إلى مسامي فأعتدل وأقف. تباغت الحيرة عاطفتي بسؤال غريب؟ كيف سأبدو بعد أن أترك وطنا خلف ظهري وأغادر؟ ماذا عن الأهل والرفاق ورائحة ما لا تفارق الأجساد؟ هل هذه الأشياء حقيقية؟ (ستبكيني أغنية واحدة لآلاف المرات وسيحدث أن ألتقي بشخص ما لا أعرفه لكني سأحتضنه بلهفة حين أعلم أنه مر من نفس الطريق يعرف تلك الجبال وتلك السماء وبكى كثيرا حين ودعها).

تضخم الأمر في قلبي كثيرا نظرتي لكل الأمور تضاعفت تحول بائع البطاطا فجأة إلى رمز وطني وصار الإنصات لضوضاء الشوارع والأزقة له سحر ما. أصبح السير على الرصيف بدون وجهة لوحة فنية بقيمة خيالية. وأيقنت أخيرا أن اعتراض الظروف السيئة لطريقي ليس إلا خريطة معدلة للحياة بنكهة لاذعة.

هذه الحرب ليست مقلقة سنعتاد يوما ما أن نتكيف مع شظايا الروح والجسد.. المهم حقا هو أن لا نموت.
وقبل أن تبلعني دوامة ما حول الضمان الأكيد الذي يكفل حياتي وحياة الآخرين أفر بقلبي إلى منعطف ما بجوار بائع يثرثر كثيرا عن معاناته التي أحفظها جيدا.
أتناول إفطاري منه، أشرب شايًا في علبه معدنية وأطرد بكبرياء جارف خيالا مترفا لي في مكان بارد بعيد لمشروب لا أستسيغ مذاقه ونظرة بؤس ساخرة تتملكني لشطيرة لا يستهويني نظامها ولا تروق لي كبائعها الذي لا يجيد الثرثرة.

الانتماء المتطرف الذي حل بقلبي أصابني بأمراض مزمنة لا شفاء منها.
أدرك هذا من هوسي اليومي بمطاردة ما يدور في قلوب الضحايا و تخمين مذاق الانتصار في عقول القتلة. لكن يبدو أني لن أفهم شيئا سوى دوري البائس كمتفرج تلوك الحرب عاطفته بنهم شديد..

هذه الليلة أغلقت مطار أحلامي، مزقت جواز السفر، ووقفت بدون أن أقلق بجوار مضيفة الطيران الطويلة حد الفزع، منحتها كل رسائلي التي جهزتها لمسرح الوداع والتقطت معها صورة وحيدة وتذكارية للحلم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.