المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منال قايد Headshot

أكتوبر الحزين

تم النشر: تم التحديث:

كان أكتوبر/تشرين الأول الماضي بالنسبة لي كارثة مؤلمة وبؤساً حقيقي الملامح.. إنه الإفلاس في ذروته القوية المتحجرة، إنها الميزانية التي لا تعوم حتى نهاية الشهر.

لكنني الآن كلما استعدت ذكرى أكتوبر ضحكت بحنين وكأني أستعيد سقوطي في بركة ماء فأشعر بجسدي مبتلاً بعاطفة لا يدركها إلا المنحدرون من القمم المالية المرتفعة إلى قاع الجيوب الخالية.

في أحد أيامه العظيمة والأخيرة كنت بجوار البيت أنظر إلى سيارتي التي تقف محتضرة بلا رمق أو وقود، أفتش حقيبتي بسخط أبحث عما سيوصلني لوجهتي رغم إدراكي منذ ليل البارحة أن هناك أربعمائة ريال يتيمة اجتهدت في تقسيمها حسب خطوط الطول والعرض، مائة ذهاباً ومائة عودة ومائتان يبارك بهما الله قد تتكاثران بطريقة ما.

في وسيلة نقل عامة أرتمي بجوار النافذة كي أستقبل كل الأحلام التي تؤجل حضورها فقد تلتقي عيناي بكنز مفقود أو عبارة ملهمة أو بوابة سحرية أضع بها المائتين المتبقية وتعود إليَّ وقوداً أو راتباً إضافياً أو رجلاً بقصائد خرافية.

أنزل من الباص وأنا أتمتم تبقى ثلاثمائة ريال، أمام بوابة المعهد يقف ثلاثة أطفال صغار، صبي في العاشرة وفتاة في مثل عمره، وأخرى تصغرهما بسنوات كثيرة.

أمسك الصبي بذراعي وبلهجة مختلفة كثيراً عن لهجة أهل المدينة وضع عبارته الحزينة: (إحنا نازحين ساعدينا الله ينجحكي)، لهجته كانت مثار فضول ووجع بالنسبة لي، وبعد حوار طويل أنهكهم قررت التنازل عن ثلث أملاكي ومنحهم مائة ريال قالوا لي إنها ستكفيهم لإفطارهم! كنت أحاول أن أضع المائة في الخانة السحرية التي ستعيد لي مئات أخرى.

وضعتها في يد الصبي الذي لم أكن أعرف أنه أحد عفاريت سليمان، فاختفى قبل أن يرتد إلى طرفي، اختفى قبل أن أتمتم تبقى مائتا ريال، صرخت الكبيرة بفزع وبدأت ببكاء مرير واستسلمت أنا لحيرتي بقلق بالغ: "هل أنا أمام اختبار ما؟"، هل سيظهر شيخ (غير جليل) بعد مائة عام يحكي قصة مائتي ريال عادت أضعافاً مضاعفة.

كنت أود أن أضحك بصوت عالٍ، لكن إفلاسي كان يقف لي بالمرصاد ممسكاً بذراعي وضاغطاً على مشاعري كل ما سخرت منه ومن نفسي.. حسناً حبست أنفاسي ولوحت في المائة الثانية وأنا أوصي الفتاة الكبيرة على الأخرى.

كانت تلك الفتاة طيبة جداً فقبل أن تتبخر كرفيقها العفريت السابق سمحت لي أن أتمتم (تبقى مائة ريال).. انتهى الكون حولي ووقفت بمفردي أنا وتلك الصغيرة (ذات العينين الواسعتين)؛ لذا كنت أجيد قراءة كل ما تقوله وبقينا لدقائق نتناول حديثاً صامتاً.

لا أدري لماذا اختفت وبنفس طريقة رفاقها البخارية لكن بدون أن تأخذ المائة المتبقية.. ولا أدري أيضاً لماذا عدت يومها سيراً على الأقدام ولم أستخدم المائة الملعونة.

بقيت لأيام طويلة أنظر لورقتي النقدية متأملة إياها باهتمام بالغ، أفكر بسيناريو مستقبلي لسيدة مسنة تجلس في الباص ذاته الذي أذهب به يومياً بجوار شابة صغيرة بعينين واسعتين تحكي بملل عن فتاة المعهد التي تظهر في أحلامها كل ليلة وتطاردها بمائة ريال.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.