المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مالك صغيري Headshot

الشعب هو الحل

تم النشر: تم التحديث:

إن كان مِن درسٍ لما حصل في تركيا من انقلاب فهو قدرة الشعب الموحّد على إسقاط كل مشاريع التدخل وزعزعة الاستقرار، لقد تعلم الأتراك من خبرتهم التاريخية الصعبة مع الانقلابات ومع الحسم العسكري للخلافات السياسية، وأظهروا للعالم نضجاً يليق بشعب متحضر، وتعرفوا على قدرتهم في التسامي عن صراعاتهم الحادة عندما يتطلب الأمر مواقف مبدئية من رفض الانقلاب والتدخل الخارجي.

بعض أصدقائنا العرب المأخوذين بسلطة الزمن اللحظوي والمبحرين في الفضاء الجيوسياسي من بوابة شاشات التوجيه العاجلة يستنتجون من فشل الانقلاب في تركيا ضرورة الدعم الكامل للرئيس أردوغان والاصطفاف وراء المحور التركي في مواجهة المشاريع الإقليمية والدولية التي تتربص به، مثل أصدقائنا العرب هؤلاء كمثل من تشير لهم بإصبعك إلى القمر فيحدقون في إصبعك، تقول لهم إن الدرس مثل كل مرة كامن في قوة الشعب، وإن السلطة في لحظات الانتقال هي الحركة فيجيبونك بأنهم مع أردوغان وتركيا ظالمة أو مظلومة.

المساندون لأردوغان في تركيا مساندون لنظرية "التوافق" في تونس ويعتبرونها جزءاً من حالة استقرار جيوسياسي ساهم فيها الأتراك باعتبارهم قلب رحى محور ما، ويعتبرون كل تقدم لأردوغان داخلياً وخارجياً بمثابة تقدم لهم داخلياً وخارجياً، وتجري هذه الاعتبارات وسط تبريرات وبناءات ذهنية وثقافية تستعيد للأتراك عثمانيتهم وتستحثهم مزيد المشاركة في تقرير المصير المشترك.

إن طريقة تفكير وممارسة هؤلاء الأصدقاء هي نفسها منذ أطلقت تونس صفارة البداية سنة 2011، ذهبوا مثل غيرهم يبحثون عن صدى أنفسهم في عواصم كثيرة شرقاً وغرباً، وضيعوا الدرس الكبير المتمثل في قدرة الشعب الموحد على افتكاك السلطة وفرض السيادة بالقوة، وتجاهلوا شعارات الجماهير التي لخصت أزمات تلك المرحلة المأساوية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

إن فشل الثورة في كل تجارب دول "الربيع" لا يرجع فقط إلى قوة الثورة المضادة وإنما إلى الدوخان الاستراتيجي الذي انتاب المكونات المنتسبة للثورة وجعلها تخبط في "الزمن الجغرافي" للمنطقة خبطا ًعشوائياً. هل كان الشعب الذي قدم 200 شهيد في أسبوع وحول فضاءات محرمة إلى بؤر احتجاج جماهيري ورفع شعارات اجتماعية وسياسية جذرية تطرح مسألة السلطة على مستوى محلي وعالمي وحقق مكاسب متقدمة على نظام متهاوٍ لم تكن تنقصه سوى "جيشان" مماثل لينهار، هل كان هذا الشعب شيئاً آخر سوى جماهير متراصة تحتل الشوارع وتفرض واقع الكرامة والعدالة؟ هل كان ذلك الشعب شيئاً آخر سوى حالة نفسية متقدمة لفئات وتشكيلات متعددة اجتماعياً وطبقياً تتعرف على بعضها باعتبارها ضحايا ما وصلت إليه دولة الاستقلال من خيانة لمبادئها التأسيسية؟

لقد فشلت الثورة إلى حد الآن في هزيمة الثورة المضادة؛ لأن منتسبيها مفرطون في جوهرها الشعبي والوطني، ليس هؤلاء المنتسبون من فجّروا ثورة 2011 حتى يدافعوا عنها بضراوة من يدافع عن حياته ومستقبله، لقد دافعوا عما فهموه منها: تمكين إلهي للصحوة الإسلامية. واستعملوا مكاسب المد الشعبي مناطاً معقولاً للمفاوضة بهدف التكيف مع الوضع القائم. وكان لهم ذلك بانتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2011 وطبقوا فهمهم عندما اختاروا تدوير نخب الطبقة الوسطى داخل الدولة الغنائمية المترهلة بدل قيادة ثورة الشعب العميق نحو التأسيس الجديد لدولة المواطنة والعدالة والسيادة.

مَن المسؤول عن فشل الثورة في مصر وتونس إلى حد الآن؟ إنها نخب الجاحظين في إصبعك. هؤلاء يرونه أزرق وأولئك يرونه أخضر، ولا أحد ينتبه إلى القمر الذي يجلل السماء. لقد وقعت تصفية "الفئات الخطيرة" المصرة على التعلق بالقمر من كل عملية انتقالية في تونس وليبيا ومصر واليمن والبحرين وسوريا والعراق والكويت، لقد حدد أصدقاؤنا قوانين اللعبة واختاروا شركاءهم وأغلقوا الباب على البيت الآيل للسقوط وتركونا خارجه، واليوم نراهم في حجراتهم يصطفون خلف المحاور لرهن البيت ولا يبصرون أننا نحاصرهم من كل جانب، إنهم لا يروننا في التلفاز ولا نأتيهم بالطائرات، ولذلك هم مطمئنون على غيابنا في الواقع.

في تونس تعلن حملة "مانيش مسامح" حالة الطوارئ الشعبية، يقول مناضلوها بالتصدي لقانون المصالحة ما تقوله أوسع الفئات والجهات المتضررة بالاضطرابات والاحتجاجات التي لا تتوقف: إن سياستكم وهم وزبد، بعد 9 حكومات لا تزيد سياستكم على كونها إدارة وقتية لمصالح المستفيدين، وإن انتخاباتكم لا تغير أوضاعنا، وإننا لسنا مواطنين ما دمنا لا نحظى بالشروط الدنيا للمواطنة الاقتصادية والاجتماعية، نحن لسنا مستعدين للاستمرار في العيش في ظل الأوضاع القائمة.

لن يقف في وجه حالة الطوارئ الشعبية من المنتسبين للثورة سوى مَن عجزت قدراته الذهنية والسياسية عن فهم الدرس التركي: الشعب هو الحل، عندما تدافع عنه يدافع عنك، ومثلما تبحث عنه فإنه يبحث عنك.

إننا نحتاج في بلادنا إلى الخروج من تقديس اللحظة، هذا السلوك المنسجم مع أخلاق النيوليبرالية المحتفية بالمتعة البرهية وتسليع كل شيء وإعدام الفكر النقدي، ونحتاج رؤية أوسع للأزمنة المتداخلة: الزمن اللحظوي السطحي والزمن الاجتماعي الحامل الكبير للفعل والزمن الجغرافي وعاء التحولات برمتها. إننا نحتاج عقلاً يفهم جيشان الشعب يوقظه للنضال الجماهيري الواعي ويتفهم الاحتجاج باعتباره نضجا للفئات وليس تخلفا فيها وينخرط مع الشعب في معركة العدالة للجميع، رغم أنف قوى الانقلاب والتدخل الخارجي، فالشعب معنا هذه المرة ولسنا عزلاً ولا نشعر بالدوار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.