المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ملكة محمد Headshot

من هو أكرم زعيتر؟

تم النشر: تم التحديث:

لم أقرأ الكثير بالعربية فى العامين الماضيين بحُكم مشاغلى الدائمة ما بين الدراسة والوظيفة، ولم أتحدث العربية إلا نادراً فالكل هنا يتحدث الانجليزية اللهمّ من بعض العرب أو من خلال محادثات سكايب مع الأهل والأصدقاء في قطاع غزة الذي لم أستطع الوصول إليهِ منذ عامين بسبب إغلاق المعابر المتكرر. قبل أشهر قليلةٍ نزلت في زيارة خاطفةٍ الأردن حيث تسكن عمومتى وجلبت معي بعض الكتب باللغة العربية إلى مدينة شيفيلد في الشمال البريطاني حيث أسكن. لا تعلمون كم أعادت لي تلك الكتب حياةً في روحي من جديد؛ جميلة هي العربية لغة التاريخ والثقافة والحياة.
سُعدت جداُ بكتاب أهدته لى ابنة المجاهد أكرم زعيتر خلال زيارتي لهم فى العاصمة الأردنية عمان، وسُعدت أكثر بالعشاء الذي جمعنى مع عقيلة المرحوم أم سُرى زعيتر الانسانة الوطنية الكريمة المثقفة. كان الكتاب رائعًا وكذلك شخص كأكرم يستحق بعضاً من الضوء ليسلَّط على حياته وبطولاته التي لن تتسع كلماتي الآتية لسرد بعضاً من الصفات الخيرة التي تركها بصمةً في كل بلد وقلب عربي ليكون لها الأثر الكبير لشحذ همم الكثيرين نحو الأفضل. كان أكرم مؤلفاً ومؤرخاً وقبل ذلك مقاوماً حيث كتب للأجيال سلاسل تاريخية ومؤلفات نفيسة حفظت تاريخ فلسطين من الضياع.
زاول أكرم مهنة التعليم فى بداية حياته فى ثانويات فلسطين، وعلى أثر ثورة 1929 الشهيرة استقال للعمل فى الحقل الوطني المقاوم ليتولى فيما بعد رئاسة تحرير جريدة (مرآة الشرق). أُودع فى السجن بتهمة انخراطه فى العمل الوطني وحُكِم عليه بالإبعاد إلى نابلس ليقود المظاهرات الوطنية هناك وربما أشهرها تلك التى كانت أيام اعدام الشهداء الأبطال محمد جمجوم وفؤاد حجازي بالإضافة إلى عطا الزير. انتقل أكرم بعدها إلى القدس ليتولى تحرير جريدة الحياة، حيث قام بدورٍ هام في تحريك أحداث 1931 ليتم اعتقاله فى القدس وإغلاق جريدة الحياة وإبعاده إلى نابلس مرة أخرى ليعود إلى سلك التدريس فى كلية النجاح ويؤسس مع بعض رفاقه حزب الاستقلال.
وعلى إثر الصدام الشهير الذي وقع بين الفلسطينيين وقوات الأمن البريطانى عام 1936، دعا زعيتر الى تشكيل لجان قومية وتولى بنفسه أمانة سر لجنة نابلس التى تولت الإتصال بأحرار فلسطين والعرب ودعت إلى الإضراب الكبير فى فلسطين ليمتد لستة أشهر ويمهد لثورة 1936 الكبرى (ثورة البراق). سُجن أكرم بعدها فى سجن عوجا الحفير وبعد ذلك لجأ إلى دمشق لاذكاء الثورة الفلسطينية من هناك. بعد المطاردة من قوات الامن البريطانية لجأ مرة أخرى ولكن هذه المرة إلى العراق للتدريس وشارك فى ثورة رشيد علي الكيلانى 1941. بعد أن أخفقت الثورة، لجأ أكرم وصحبه إلى بادية الشام لفترة من الوقت ثم لجأ إلى حلب فتركيا ليقضى سنوات الحرب لاجئاً سياسياً فى الأناضول ثم فُرضت عليه الاقامة الجبرية فى اسطنبول وعدد من المدن التركية الأخرى. بعد استقلال سوريا عام 1945 عاد إليها، وكان عضواً فى لجنة فلسطين الدائمة فى جامعة الدول العربية. اشترك زعيتر فى معظم الموتمرات الوطنية والاسلامية وترأس وفداً عربياً إلى أمريكا اللاتنية لشرح قضية فلسطين، واستمر فى نشاطه السياسى ليعين عام 1966 وزيراً للخارجية الأردنية. أثناء إقامته بلبنان فى الثمانينات ساهم فى الحركة الثقافية وكان رئيساً للمركز الثقافي الاسلامي هناك لعدة سنوات.
يُعتبر زعيتر أحد الجنود الذين أعادوا للتاريخ معناه فالتاريخ ليس رواية للماضي بل هو سجل لمسيرة الحياة بانجازاتها وتعرجاتها حلوها ومرها. جعل أكرم فلسطين محط اهتمامه ومركز تفكيره طيلة سنين عمره جهاداً وتدويناً وتدريساً ودبلوماسيةً وغيرها. كان يرى نابلس فى بغداد وبغداد فى بيروت وبيروت فى دمشق، كلها بلاد عربية. كان يؤمن بوحدة الامة ليس كحقيقة علمية انسانية؛ بل لأنها أحد الطرق الصحيحة لتحرير فلسطين.
حمل أكرم فكراً متوهجاً كالشعلة، وأيَّد بشكل مطلق ثورة القسام وشخص القسام. كان رده على بلاغ المستعمرين الإنجليز ممن سموا جماعة القسام حينها بالأشقياء: "عصبة الأشقياء في البلاغ الرسمي، أما فى نظر الشعب العربى فهم عصبة من الشهداء فى سجل القضية." رحل أكرم ولكنه ترك لنا ثروة علمية فريدة من نوعها. كان من موسوعي الثقافة ومن شدة إيمانه بالحقيقة والتاريخ دوَّن يومياته وخواطره ومن أهم تلك الكنوز تلك التى نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية: وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1918-1939) والحركة الوطنية الفلسطينية (1935-1939).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.