المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ملك محمود عبدالحليم Headshot

هوِّنوا على أنفسكم

تم النشر: تم التحديث:

في سياق الحديث عن التنمية البشرية وعن تغذية الروح، الذي انتشر انتشاراً كبيراً في الآونة الأخيرة، فنسمعهم يرددون مصطلحات مثل الطاقة الإيجابية وحب الذات، واكتشاف النفس الصالحة التي بداخلك، واتباع الشغف والطموح.

وبغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي مع هذا الطرح، فإننا لو وقفنا مع أنفسنا للحظة سنجد أن ديننا الكريم قد حدثنا عما تعنيه هذه العبارات من قبل، ففسر لنا ذواتنا وأراوحنا وأنفسنا وبيَّن لنا كيف نرعاها ونروضها ونحبها.

فنحن المسلمون لدينا ما يمكن أن نعتبره "اليوغا" الخاصة بنا، ولدينا طرقنا الخاصة في ممارسة ما يسمى بالـ(meditation)، لكني في الفترة الماضية كنت أقرأ في كتاب إدارة الأولويات (first things first) لـ"ستيفن كوفي"، وهو كاتب ومؤلف أميركي وصاحب كتاب "العادات السبع للناس الأكثر فاعلية"، وهو واحد من الكتب الأكثر مبيعاً في أميركا.

يتحدث الكتاب ببساطة عن إدارة الوقت وكيف ندير أولوياتنا، ففي حياتنا اليومية، وخاصة في عالمنا الحالي، الأحداث سريعة، والمصائب كثيرة، والكوارث تنهال علينا من كل جانب، والمسلمون مشتتون مستضعفون، والحروب والظلم في بلادنا أكل أرواحنا، فغيَّمت هالة من الحزن والأسى على نفوسنا، هلكت قلوبنا وأصبحنا لا ندري على أي همّ نبكي، وفي أي جهة نحارب، ومتى ستنزاح الغمة.

ولكن علينا أن ندرك حقيقة مهمة هي أن الصراع بين الحق والباطل قائم إلى يوم الدين، لا محالة ولا مفر من هذه الحقيقة.

تحدث ستيفن كوفي في كتابه عن ثلاث دوائر مهمة داخل كل شخص منا، ولكن تختلف مساحات هذه الدوائر من شخص لآخر على حسب أولوياته واهتماماته ووعيه بدوره في هذه الحياة، وهذه الدوائر الثلاث هي: دائرة الاهتمام، ودائرة التأثير، ودائرة التركيز.

وسأحاول أن أتحدث عن كل واحدة بالتفصيل، ولكن هدفي الأساسي ليس عرض هذه الدوائر فقط، ولكن الأهم هو الربط بينها وبين ما أمرنا به الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم، وما علَّمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم، فستيفن كوفي من دون قصد شرح ما هو في ديننا، وجاء بما رأى البعض أنه سبق لم يسمع به أحد من قبل، وهو في الأصل موجود في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، ولكن لمن يتدبَّر.

دائرة الاهتمام

هذه الدائرة تضم اهتماماتنا العامة، كل الأمور التي تشغل بالنا، الأخبار اليومية، الأحداث العالمية والعامة، كل ما يحيط بنا من الخارج، والأهم كل ما هو خارج عن قدرتنا، فيومياً نتابع في الصحف أو التلفاز أو مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت تسيطر على حياتنا بشكل مرعب، فتنقل لنا الأخبار لحظة بلحظة من مناطق وأنحاء مختلفة، فنسمع عن مقتل كذا واعتقال كذا وذبح وقتل واتفاقيات ومعاهدات وحروب وأمور ليس لها حد.

وبالطبع كما علَّمنا رسولنا الكريم في حديثه أن قال: "من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم"، وقد ذكر أن هذا الحديث ضعيف، ولكن بافتراض أنه صحيح فيجب أن نفهم معناه بشكل سليم، فأولاً علينا أن نكون متأكدين من أن عدم الاهتمام بأمور المسلمين لا يعني الكفر، والعياذ بالله، لكن المقصد هنا هو حث المسلمين على الاهتمام ببعضهم البعض، والسؤال عن بعضهم البعض، والوقوف بجانب الحق ونصرة المظلوم ومواساة الفقير، وما إلى ذلك، ولكن كيف سنطبق هذا الحديث، وفي نفس الوقت نسيطر على مساحة هذه الدائرة داخلنا، ولو وقفنا مع أنفسنا سنجد أننا نجعل مساحة هذه الدائرة هي الأكبر، فالجلوس أمام الأخبار بالساعات ومتابعة الأحداث أولاً بأول بشكل مهلك للعقل والجسد والروح يجعلنا غير قادرين على فعل أي شيء سوى الصمت أو الهروب بشكل مؤقت من الواقع، وتعيد الدائرة نفسها في اليوم الذي يليه، أخبار وأحداث وقيل وقال وهكذا بدون أي فائدة؛ لأننا لم ننظم اهتماماتنا.

وأيضاً تضم هذه الدائرة المستقبل والتفكير فيه بشكل مزعج يجعله يسيطر على حاضرك الذي هو أولى بكل لحظة تفكير منك، ونجد الكثير من الناس يشتكون مما يسمى "overthinking"، فماذا لو توكلنا على الله ووكّلنا كل أمورنا إلى الحكيم الخبير؟

لا مانع أن نفكر ونخطط ونأخذ بالأسباب، ولكن في النهاية علينا أن نحرص دائماً على ألا تأخذ هذه الدائرة أكثر من حجمها؛ لأن تأثيرنا عليها غير مباشر، فنحن لن نغير الواقع الذي حولنا إلا إذا ركّزنا على باقي الدوائر.

دائرة التأثير

وهذه الدائرة يكشف اسمها عن طبيعتها وأهميتها، بينما ننظر إلى الأمور الخارجية والخارجة عن إرادتنا ننسى أمورنا التي لنا يد فيها وفي تغييرها، فمثلاً الأسرة وهي الأهم، جعل الله -سبحانه- لنا أباً وأماً وإخوة وإن كنا متزوجين فلنا زوج وأبناء ومسؤولية كبيرة سوف نُسأل عنها، فلمَ لا نفكر في أنها أهم دائرة يمكن للفرد أن يؤثر فيمن حوله فيها، بتعليمهم شيئاً جديداً تعلمه، ومشاركتهم هواية أو حواراً، أو مساعدة من عنده مشكلة وهكذا.

وكما قال صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله"، أيضاً العمل أو الدراسة كل هذه أشياء نحن قادرون على التأثير فيها وفي تغييرها، فنحن نستطيع أن نحسن وضعنا في العمل وأن ننمي مهاراتنا، وكما هو الحال في دراستنا نحن مسؤولون عنها وعن نجاحنا فيها، وغيرها من الأشياء الملموسة في حياتنا اليومية التي نحتك بها مباشرة في الواقع الذي يمكننا التأثير فيه.

دائرة التركيز

قد منَّ الله على الإنسان دوناً عن باقي المخلوقات بأن كلفه بعمارة الأرض؛ لذلك نحن هنا لأداء هذه الرسالة ويمنحنا الله فترة زمنية معينة لنؤدي هذه الرسالة ومن ثَم نغادر هذه الدنيا.

دائرة التركيز بالنسبة لي هي الأهم، وكما يرى الكاتب هي المركز الذي تدور من حوله باقي الدوائر والذي من خلاله تتشكل ذات الفرد.

دائرة التركيز تعبر عن داخلك وليس الأمور الداخلية التي ضمتها دائرة التأثير؛ بل الأعمق من ذلك، هي نفسك، ذاتك، شخصيتك، أنت لا أحد سواك، ولنا أن نتذكر: مَن نحن؟ لماذا خلقنا؟ ما رسالتنا؟ فإجابات هذه الأسئلة تكمن في دائرة التركيز؛ لأنها تضم كل ما نحتاجه لتأدية هذه الرسالة، فهي ديننا وعلاقتنا بالله سبحانه وتعالى، وأخلاقنا وتعاملنا مع مَن حولنا ومع أنفسنا، هي أحلامنا وطموحاتنا، وطاقتنا وأوقاتنا. فماذا لو ركزنا على هذه الدائرة ومنحناها النصيب الأكبر من الاهتمام؟ سنجد تلقائياً أننا حققنا ما نريد في باقي الدوائر الأخرى، فنحن لو كنا سعداء، مطمئنين، واثقين من أنفسنا، ومتزنين نفسياً، بالتأكيد سوف نعطي من حولنا أكثر وسنتعامل معهم أفضل وبالتالي سوف نؤثر في الخارج أكثر وأكثر.

وأخيراً دعونا نرتب أولوياتنا، ونتذكر دورنا الرئيسي الذي جئنا من أجله، ولا نهلك أنفسنا وطاقتنا فيما لا يفيد، ونهتم بالأمور العامة وأحوال المسلمين والعالم بأكمله، ونهتم بأمورنا الخاصة وأمور عائلتنا، ولكن نحرص دائماً على أن نوازن بينها، فديننا الكريم يحثنا على أن نكون أناساً صالحين مصلحين، وأن نعمل ونجتهد وننتج ودائماً نجد في القرآن الإيمان مقروناً بالعمل الصالح، ولذلك يجب أن نرتب أولوياتنا في الحياة ولا ندع الضغوط والتوتر والحزن والأسى يسيطر علينا؛ لأنه ببساطة عائق كبير يحول بيننا وبين كل أحلامنا وأهدافنا في حياتنا، وأن نذكر أنفسنا دائماً بقول الله سبحانه وتعالى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً"، فكل منا سوف يُسأل عن نفسه وعن عمله وعن وقته فيما قضاه وفي أي شيء استغله، والعمر يمر، ولذلك وضع الكاتب تقسيماً مقترحاً للدوائر الثلاث؛ حيث أعطى لدائرة الاهتمام 10%، ودائرة التأثير 40%، ودائرة التركيز 50%، ولكل منا الحرية في تقسيم هذه الدوائر، ولكن من وجهة نظري المتواضعة فإن هذا التقسيم يكاد يكون الأمثل، وصدق تعالى إذ يقول في كتابه الكريم: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.