المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمجد أبو العلا Headshot

تجربتي مع "ظلال القرآن"

تم النشر: تم التحديث:

أحببت الشيخ سيد قطب -عليه رحمة الله- كثيراً ، وأحببت تصانيفه المختلفة، وقرأت منها الكثير، وقرأت كثيراً مما كتب عنه حتى أكاد أكون مستظهراً لسيرته الذاتية، وجالست بعضاً ممن شهده وأخذ عنه، وكان في وقت ما من أقرب الناس إليه، وشهدت وتابعت كثيراً من المعارك حوله وحول آرائه التي كتبها ونشرها في آخر حياته في كتابه "معالم في الطريق" وكتاب "الظلال"، ولن يكون حديثي حول هذه الآراء، فهي لها مجال آخر، ولكن قصدت بكلامي هنا تجربتي الشخصية مع كتاب الظلال، ولا أزعم أنني قد قرأت الظلال كاملاً، ولكني أظن أنني قد قرأت منه كماً كافياً وكيفاً وافياً ما يجعلني أهلاً للحديث عنه، وعرض وجهة النظر فيه.

لقد قرأت للشيخ سيد قطب الكثير مما كتب غير الظلال، وهو الأديب الحاذق، وهو ما يمكن أن يكتشفه أي قارئ لديه ذوق أدبي، فيعرف أن المنبع واحد، وأن القلم يجري على طريقة واحدة، إلا أنني قد لاحظت أن المصب قد اختلف في كتاب الظلال عن غيره مما كتب الأديب، باستثناء "معالم في الطريق" و"رسالة أفراح الروح"، فقد وجدت هناك اتفاقاً في الروح والمنبع والمجرى والمصب.

النقطة الثانية التي أحب أن أشير إليها هي أنني قد طالعت ودرست كثيراً من كتب التفسير، ولكن الظلال ككتاب مختلف بحق عن باقي تلك الكتب، ولا أعلم أيحسب هذا للظلال أم يحسب عليه؟ ولعل الأسطر القادمة توضح بعضاً مما أردت.

عندما تطالع أو تدرس كتاباً في تفسير كتاب الله، فإنك تخرج منه بعد وقت بحصيلة من المعلومات التي تتمثل في معاني الكلمات وقصص النزول، وفقه الآيات، والآراء المتباينة لمعاني الآيات، والمراد من الآية، والمجاز والإطناب والمحسنات البديعية.. إلى آخره من معارف علم التفسير، أو ما يطلق عليه التفسير الموضعي، أو قد يأخذك أحد المفسرين إلى التفسير الموضوعي للقرآن ويحلّق بك في أسرار موضوعات القرآن، وكيف عالجها القرآن، وتنزيل الحكم على الواقع، وربط السور بعضها ببعض، وقد يهتم البعض من المفسرين بتهذيب السلوك من بعد القراءة، ومعالجة آفات القلب والخلق، واهتمام القرآن بإبراز الشخصية الإسلامية، وهو ما قد ينعكس على سلوك القارئ بعدها، وهناك مَن يحاول قراءة القرآن بطريقة عصرية، وطرح بعض الأسئلة الجديدة العصرية، والبحث عن إجابات لها في ثنايا الآيات.. إلخ.

عند قراءة "ظلال القرآن" فإنك ستخرج بعد القراءة بشعور مختلف، أو حالة شعورية غير الحالة التي دخلت بها إلى الكتاب، تتعمق هذه الحالة كلما قرأت وازددت مرة بعد مرة، لن تخرج بشيء متكامل مما ذكرت سابقاً عن التفاسير الأخرى، ولكنك لن تملك أن تترك الكتاب، ولن تستطيع الانصراف عنه، يجذبك الكتاب جذباً عميقاً، كلما قرأت الكتاب ازددت سعادة وفرحاً وسروراً، تزداد إقبالاً على كتاب الله والنهم من معينه الذي لا ينضب، تحب الله، تحب الرسول، تحب هذا الرعيل الصالح الذي اختاره الله ليكونوا اللبنة الأولى للأمة المؤمنة، تكره الكفر، تكره النفاق، تكره الكفار بقوة، تشعر أن الصراع محتدماً وعلى أوجه، وتعرف أننا لا نملك رفاهية البعد عنه،

تحب المؤمنين وتحب خلقهم، وتحب صحبتهم، ولكنهم لا يتواجدون بكثرة، فيجب البحث عنهم حتى تكتمل عدة الإيمان في الأمة، وفي أثناء ذلك الفوران من الحماسة تحدث المفاجأة، فتكتشف شعوراً مقارناً للشعور السابق اللذيذ، وهو شعور الغربة والاستوحاش من الخلق، يعمق الظلال شعوراً بالغربة لا يمكن أن يطيقه أحد إلا القليل من الناس، وهم في الحقيقة بعض من الحركات الإسلامية الذين يعيشون نفس الحالة التي أوحى إليهم الظلال بها؛ فتمكنت منهم، فلم يجدوا للحياة سبيلاً إلا العيش مع بعضهم البعض، وتكوين حياة خاصة بهم دون غيرهم؛ ثم مع مرور الوقت يشعرون أنهم هم الفريق المؤمن القابض على إيمانه الذي لا يتحقق النصر الإلهي إلا على أيديهم، وهو ما أشار به الظلال عليهم، ولعل هذا هو التفسير المنطقي لديّ لعدم إقبال عموم المسلمين على قراءة الظلال حتى العلماء والدعاة والمشايخ كما نسميهم، وهو عدم تمكنهم من إقامة مثل هذه العصبة المؤمنة التي يسعى إليها الظلال،

وسرعة النفور من هذه الغربة أو الحالة التي يوجدها فيها، كما أن معظم من يقتبس من الظلال ينزل إليه بباراشوت للتعرف على خواطر الشيخ سيد الأديب الأريب في هذه الآية، أو تلك المسألة، فيجد كلاماً طيباً فيعجبه ثم يحدث به الناس، دون أن يمر بتلك الحالة الشعورية التي يزرعها الظلال في رواده ومع مريديه.

تقرأ الظلال فيطير بك بهدوء مستعرضاً خلال رحلته مآسي المسلمين في العصر الحالي، ثم رجوعاً إلى الخلف حتى يحط رحاله في العصر الإسلامي الأول؛ حيث العصبة المؤمنة التي صنعها الله على عينه، واصطفى لها خير الخلق، ثم هيأ له أفضل الخلق بعد الأنبياء وهم الصحابة؛ وشرارهم أيضاً ليعادوه، وكيف أن الخلاص والصلاح في الهبوط إلى هذا الزمن والهجرة الخفية الروحية إلى هذا المجتمع،

كما هاجر الرعيل الأول هجرة حقيقية واقعية فيكون منا المهاجرين والأنصار، ثم يخلطك بهم خلطاً عجيباً حتى تشعر وكأنك واحد من هذا الرهط، فلا تريد أن تترك هذا الزمن الجميل، والهواء العليل، إلى ما نعيشه من مجتمع طغت عليه حياة المادة، واستولت عليه أدوات الجاهلية الأولى، فلا نكاد ننفك عنه إلا بهذا التحليق والهبوط مرة أخرى إلى العصر الأول.

الحقيقة أنني لم أشعر بهذا التغيير التام في هذا الوقت إلا عندما نبهتني زوجتي مرة أنني قد تغيرت تماماً خلال الشهور السابقة منذ أن شرعت في القراءة المنهجية للظلال، وقد خالطتني فعلاً هذه الحالة، ولا تزال، فقد كرهت الحياة وزهدت فيها وفي ملذاتها، لم أعد أطمح إلى تفوق دنيوي زائل، اللهم إلا إلى حياة كريمة، ولا أسعى إلى ما كنت أظن أن فيه الخير لي؛ حيث مستقبل باهر ومشرف، فيكفي هذا الشعور الجميل الذي أعيشه، ويعيش في هو أيضاً.

لا أعلم إن كان ذلك صواباً أم خطأ، حقاً أم غير ذلك، ولكني نقلت شعوراً وإحساساً نما إليّ وتجذر في شعوري وكياني ردحاً من الزمن، ولا شك أنه شعور جميل، وظل ظليل، ولكن هل هذا هو المطلوب من التفسير أم لا؟ وهل هذه هي الأمة المناط بها تحقيق النصر أم لا؟
سؤال لم أجد له إجابة حتى الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.