المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مي مرسي Headshot

أبصرت بعيون ريم بنا

تم النشر: تم التحديث:

كما تلتقي العيونُ لتنالَ إحداها النورَ من الأبهى ضياءً لتسير نحو الأخرى فتستنير، يسري صدى الصدق في كلماتٍ، خلال أثيرِ ألحانٍ مهذبةً للنفوس ومبرزةً ما بها من جمال.

هي.. تلك العين العليا منذ أن لمحتها عيناي، وكانت الصوت الآسر، وصارت ملهمتي.
شُغلت بجمالها الذي يزين كل مُحاطٍ بها، وجلدها الذي يٌلهم النفوسَ معنى الإيمان.

بما حملته من صفاتٍ ومعانٍ للإنسانية، دلت التائهين، وأشرقت في نفوس المتألمين العاجزين همةَ أملٍ، فسبحان من وهب، هبته منه إليها، وهباته منه إلينا بها.

حين تقرأ عنها وتتعرف عليها تقف وقفةَ تحيةٍ وسلام، ومتى تقرأ كلماتها تبقى منصتاً مصغياً تدرك أسرار الحياة، وحين تسمع أذناك غناها يولَد البراحُ في نفسك وتستأنس.
كم تمنيت أن ألتقيها فتُعدي نفسها نفسي.

وحين صَعُبَ تلاقي الأجساد، ذهبت روحي إلى روحها، تسألها عن السر.

وجوفُ روحي يقول لها:
من أنتِ؟ وماذا تعني إليك الحياة؟
ماذا يمثل لك الألم والفقد؟
كيف الحياة في ظل الاحتلال؟
ماذا يجلب المرض للنفس؟
كيف استطعتِ أن تجعلي من الاحتلال والمرض والفقد حياة؟

قالت لي:
حبيبتي .. قد تيقظتُ على حرية..
كان الاحتلالُ حريةً لي من علة الامتلاك، امتلاكُ الأشياء والإمساكُ بها بعنوةٍ خوفاً من الفقد، فالحرية تنفي الامتلاك. لا تظني أنك مالكة شئياً في تلك الحياة، هذا أول سبيل الوهم! فخُلقت الأشياءُ لكِ، ولم تخلقين للأشياء.

حينما يسألوني عن الاحتلال أقول لهم إن في جوف الاحتلال حياة، نعي قيمتها ونعيشها في كل دقيقة، وإن الاحتلالَ الحقيقي هو سيران اليأسِ لينهش من النفسِ ويسلبُ منها سرَ القوى "الإيمان".
إن الوطن يا حبيبتي أمان الله؛ لذا فالأمان باقٍ، مهما بدت لكِ الرعشة.

نتسابقُ نحن البشر الأنفاس، ونصارعُ وقد نعادي من أجل الخلود، ولا يعلمون أن لكي نحيا لا بد أن نموت قبل أن نموت لتتحرر الأنفس وتحيا إلى خلود.

إن الوجع في القلوب هو آنين الشوق للمحبوب الذي يحطم كل الحبال التي تحيط بالأعناق، أما آلام الجسد جاءت لتنال من يد المعطي قوة الأنفس.

أما أشدُّ ما ألمّ بي هو مرارة الفقد، وفي كل مرارةٍ تجتاح قلبي ويكاد يغيب عن الحِس. يوقظني صوتٌ بداخلي يقول لي: "لا فقد.. هو غياب، غيابٌ تهيئة للقاء، تعجز الروح عن وصف بهائه".

أخبرتها بأنني كم أهوى العالم الذي تعيش فيه روحي مع صوتِ غناها، وبُحتُ لها بأني طالما أحببتُ الغناءَ ولكني لا أملك صوتاً يعينني على ذلك.
فنظرت لي نظرةَ أمانٍ وآمال، وقالت:

"الغناء هو صوتُ روحٍ متحررةٍ تقدر على الطيران، يجعلها الله تقوى فتخالف سنةَ الجاذبية، ونفسٌ مضئيةٌ ترى النور في كل مرئى ومسمع، وقلبٌ أدركه الحب.

فإذا صارت روحك ونفسك وقلبك كذلك، حتماً سيصدرُ منك أبهى الأصوات، ويتغنى بها ما حولك من البشر يشاركهم الطير والسحاب.
حتى إن لم يكن أثيرُ صوتك في صورةِ أغنية، وإن لم يكن الصوتُ بمعايير جودته التي نحكمُ بها، فهناك أصواتٌ لا يسعها المعايير!

أقول لكِ شيئاً، أتدرين أين يبطن كنز الكنوز؟
يبطن في الصدق، أنتِ كما أنتِ، عبّري كيفما تشعرين، ابقي أنتِ كما خلقكِ وأحَبكِ بكل ما فيكِ، فكونِي أنتِ".

ثم ودعتني ببسمتها المنيرة قائلة:
انظري جيداً فيما تقصدين، لا يغيب عن فؤادك المقصود.

وغابت، وغاب مشهد عشت فيه بخيالي، وشهدته روحي، حين صارت لتتحدث مع روحها، أسألها كطفلةٍ تستكشفُ العالمَ من حولها، فأراه بعيون ملهمتي ريم بنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.