المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مي فرج Headshot

الـ "project" وعوامل الهوية (2)

تم النشر: تم التحديث:

"ولكن تلك العوامل لا تعد جزءاً من هوية هذا الطفل حتى يصبح واعياً بها، ويعرّف نفسه استناداً إلى هذه العوامل"، وهو الأمر المتفق مع المنطق من الناحية الاجتماعية والنفسية، حيث إنك لا تعد مسؤولاً عن هذه العوامل.

وبالتبعية، لا تكون متحملاً نتائجها إلا إذا كنت واعياً لها باعتبارها جزءاً منك (لا يمكن أن تحاسب قضائياً على دخولك الأراضي المصرية دون حمل تأشيرة الدخول إن كنت تجهل أنك أجنبي ولست بمصري).

وفقاً للعوامل السابق ذكرها والتي تكوّن هوية الفرد الواحد، والتي -بحقيقة الأمر وبالتبعية - تكوّن هوية الأمة كافة، نستطيع التوصل إلى أن الأمة -أي أمة- يمكن تعريفها، تمييزها أو حتى تكوينها من خلال:

1- اسمها:

والذي يشمل تاريخ هذه الأمة، ما مرت به من أحداث سياسية، مراحل تطور وتغير نظامها القضائي؛ بل وحتى ما مرت به من أزمات وكوارث طبيعية أو سياسية.

فعلى سبيل المثال، قد بدأت مصر بطبيعة حكم ملِكية، ثم انضمت إلى اتحاد جمهوري فكان اسمها آنذاك (الجمهورية العربية المتحدة)، وصولاً إلى حلّ هذا الاتحاد فأصبحت تسمى "جمهورية مصر العربية" حتى يومنا هذا.

وبعبارة أخرى، فإن تاريخ الأمة، المنعكس في اسمها والمتمثل فيما مرت به من مراحل، وأحداث وتطورات، يحدد بل ويؤثر في هويتها.

تاريخ الأمة يعد عاملاً من العوامل المؤثرة في هويتها؛ نظراً لأن هذا التاريخ يميزها عن غيرها، فلك اختيار من الاثنين: إما أن تذكر ملخصاً لتاريخ تلك الأمة دون ذكر اسمها، ومن ثم يستطيع مستمعوك أن يدركوا عن أي أمة تتحدث، وإما أن تذكر الاسم وبالتبعية يقوم المستمعون بتذكُّر واسترجاع تاريخها مهما عظمت أو ضاقت مساحة ثقافتهم واطلاعاتهم.

كما أن الأحداث والمراحل السياسية التي تمر بها الأمة تغير من نظمها السياسية والقانونية، ومن ثم تؤثر في متطلبات أعضاء هذه الأمة من طموحات أو مستوى الاحتياجات صعوداً وهبوطاً؛ ما يؤثر في النهاية في اسم هذه الأمة.

- النوع (المساواة):

وهو ثاني العوامل تأثيراً في هوية الفرد، وباعتباره عضواً مؤثراً في الأمة، فلهذا العامل دور مهم في التأثير في هوية الأمة ذاتها.

ولكنك لن تستطيع التعرف على هوية الأمة إلا من خلال إلقاء نظرة عميقة على عملية توزيع الأدوار اجتماعياً ومهنياً على كلا الجنسين، فطريقة التوزيع تلك لها دور بارز في اكتشاف التقاليد التي تحكم هذه الأمة، المسموح والممنوع، وما النتيجة أو رد الفعل في حال انتهاك أو تخطي تلك الحدود، وأخيراً كيف يحمي أعضاء هذه الأمة تلك التقاليد والقواعد ولأي مدىً يتمسكون بها.

أيضاً، نوعية الحدود والخطوط الحمراء أو العوائق التي تحدد أسلوب حياة الإناث أعضاء الأمة تحدد هوية الأمة ونوعية؛ بل مستوى تطلعات الأمة وأقصى درجات التطور والنجاح التي تعمل أو -حتى مجرد- تأمل الأمة أن تصل إليها.

فعلى سبيل المثال، في بعض القرى بصعيد مصر، يكون للفتاة الحق -اجتماعياً - في تلقي تعليمها إلى أن تصل إلى مرحلة ما تتحول فيها مسؤوليتها كاملة إلى رعاية الزوج والأسرة، وفي قرى أخرى لا يخول هذا الحق إلا للذكور فقط.

لذا، إن وُجد لدى مجموعة من سكان وأعضاء مثل هذه القرى أو لدى حتى متطوعين من الخارج، النية لمنح هؤلاء الفتيات الفرصة في تلقي فرص التعليم مع الأخذ في الاعتبار جميع العوائق التي تمنع تنفيذ ذلك، فطريقة تنفيذ مثل هذا الهدف لتخطي مثل هذه العوائق والحدود سترسم وتحدد ملامح الهوية ذاتها (هوية تلك القرية).

بمعنى أن تلك الآلية والسياسة أو الرحلة المتبعة للوصول لهذا الهدف تختلف من أمة إلى أخرى.

في مثال بسيط، أدلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باقتراح للحد من مشكلة الازدحام المروري في الصباح ومساعدة الناس للوصول إلى أعمالهم والجامعات والمدارس في الوقت المحدد دون الانحباس في زحمة المرور عدة ساعات، مع الأخذ في الاعتبار وضع أزمة المواصلات في مصر، ذلك أنه اقترح استخدام الدراجات بدلاً من السيارات والحافلات.

وإن قررنا تنفيذ مثل هذه الفكرة بالقرى السابق مناقشتها بالمقارنة لتنفيذها في القاهرة، فإن عملية التنفيذ بالقاهرة تكون أقل صعوبة من التنفيذ في القرى.

ففي القاهرة، ما قد يعيق تنفيذ تلك الفكرة، يتمثل في عدم وجود مساحات مخصصة في شوارع القاهرة لسير الدراجات، والتحرش، وبعض المضايقات، وظروف الجو تحديداً في الصيف بخصوص الشمس والقيادة مسافات طويلة.

تلك العوائق التي قد لا تجد لها مكاناً على قائمة عوائق القرى في تنفيذ مثل هذه الفكرة تكمن (بالنسبة للإناث) في التقاليد الجامدة التي قد تصل إلى حد منع الإناث من الخروج بداءة من منازلهم.

العودة إلى عامل المساواة بين النوعين باعتباره أحد العوامل التي تؤثر على هوية البلاد، فعلى الجانب الآخر، تحديد أدوار كل من الجنسين يحدد مستوى أهداف الأمة؛ ومن ثم ما لها من هوية.

فعند منح المرأة -أو حتى تقريباً- أدوار الرجال نفسها؛ مثل العمل في الشرطة أو بالجيش كضابط وليس كخدمة إدارية أو استقصائية.

فهذه الحالات تعرّف الأمة من خلال توضيح نوع الحدود المقيدة على المواطنين، كنوع من الأهداف؛ ومن ثم توضيح نوع العوائق التي تواجهها هذه الأهداف، والأهم من ذلك الكيفية التي سيواجه أو يتغلب بها الفرد على هذه العوائق، فتحديد طريقة المواجهة يشكل هويتهم.

في واقع الأمر، فإن الإجابة الخاصة بسؤال: "كيف ستتخطى تلك العوائق؟" لها علاقة قوية بالعامل الثالث المكون لتعريف الهوية أو المكون للهوية ذاتها، وهو عامل الثقافة.

3- الثقافة:

وهو العنصر الذي يشمل مجالات عدة، تلك التي تؤثر في تكوين هوية الفرد الواحد، وبالتبعية نوعية مساعيه وما يسلكه من طرق للوصول إلى هدفه الأعم.

- التعليم:
قد يكون من الصعب ربط الهوية الوطنية بالثقافة من منظور التعليم؛ نظراً لما يعانيه الأخير من مشكلات؛ بل تراجع سواء بسبب تجاهل الاهتمام بمثل هذا العنصر، سواء من ناحية الدولة أو من ناحية المعتقدات الاجتماعية (راجع عامل المساواة بين النوعين).

- الفن:
وهو العنصر الذي يشمل الفن كمواد، ومؤسسات تحتضن الفن أو حتى سياسة الاهتمام بالفن وتطويره، فكمادة فنية (مقروء، مرئي، مسموع)، فالحصول عليها أصبح في يومنا هذا أمراً هيناً عن السابق، سواء كممتهن في مجال الفن أو مجرد مشاهد أو متلقٍّ.

فكلاهما لم يعد بحاجة إلى الذهاب لصالات السينما أو المسارح لمشاهدة العرض، أو حتى الاستماع إلى الأغاني كالستينات، أو انتظار صدور الألبوم الغنائي كالثمانينات والتسعينات، فقد أسهم الــYoutube ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل قوي في قطع تلك المسافات.

لذلك، أصبح من السهل -كما هو ملاحظ مؤخراً- إيصال ونقل فنون الشعوب المختلفة عبر الحدود (بما يسمى عملية تطور الفن). فعلى سبيل المثال، نجد من فن الـStand Up Comedy الذي احتضنته مطاعم الولايات المتحدة، بدءاً باستخدام أداة واحدة وهي الميكروفون والاعتماد على أداء شخص واحد في مناقشة ونقد موضوع ما بشكل ساخر.

هذا الفن الذي تطور ولقي اهتمام واحتراف عدد من مقدمي البرامج الحوارية مثل David Letterman ليصل في تطوره إلى أن يصبح فناً مستقلاً تُنظم له حفلات خاصة على مسارح ضخمة؛ بل واتخذه البعض على سبيل الاحتراف كنوع منفرد من الفنون يمارسونه بشكل أساسي ومستقل مثل الممثل الأميركي Jerry Seinfeld.

ولكن هذا الفن لم يبدأ بتلك المرحلة من الاهتمام، حيث إنه بدأ في شكل مونولوج بالولايات المتحدة في فترة الستينات وأيضاً بغيرها من الدول العربية، وبشكل أساسي في مصر على يد الممثل إسماعيل يس، وشكوكو، وفرقة ثلاثي أضواء المسرح.

ولكن الأمر الذي يتجلى وضوحاً هنا ويعد دليلاً على استيعاب الجيل الحالي أساس هويتهم الوطنية؛ بل يعملون على تطويرها، إنه في بداية الألفينات عندما بدأ هذا الفن بالانتشار في مصر عن طريق عقد أحداث ثقافية في الجامعات يتخللها عروض ستاند أب.

ثم استضافة حفلات خاصة بتلك العروض في المراكز والمقار الثقافية الشبابية مثل ساقية عبد المنعم الصاوي، والبدء في إنشاء مراكز ثقافية خاصة بالشباب تهتم بشكل خاص، ضمن عروضها، بتقديم عروض الاستاند أب، تلك العروض التي اتخذت الطابع المصري ولم تنقل تماماً كما هي في الولايات المتحدة، سواء بالنسبة للموضوعات التي تطرحها أو أسلوب الطرح والأداء؛ بل وكيفية التواصل مع الجمهور.

مجموعة الشباب الذين بدأوا بتقديم عروض الاستاند أب في مصر - مثل: مينا نادر، وصلاح الدالي، ووليد أبو المجد، وعلي قنديل وجورج عزمي- قاموا بالتركيز على الموضوعات والمشكلات السياسية والاجتماعية التي تمس حياة المصريين بشكل قوي، مثل: أداء جورج عزمي عن سائقي الأجرة (التاكسي):




أيضاً، لاقى فن الاستناد أب في مصر نوعاً من التطور عندما أصبح فناً مستقلاً كوسيلة للنقد السياسي باستخدام أدوات بسيطة والاعتماد على المادة الكتابية، تحديداً بعد ثورة 25 من يناير/كانون الثاني، وعلى الأفكار المختلفة في السرد.

- مؤسسات تحتضن الفن:
وإن استمررنا في الاعتماد على فن الاستاند أب كمثال، أصبح لهذا الفن شريحة أكبر من الجمهور بعد افتتاح عدد من المراكز الثقافية الخاصة أنشأها شباب من مختلف المحافظات، تلك المراكز تعقد ورشاً فنية وحفلات وندوات ثقافية وفنية وعروضاً مختلفة، منها عروض الاستاند أب.

من هذه المراكز الثقافية: مركز الربع، وZoom art space، وباسطا، وزاوية، وتياترو المعادي وبيت الرصيف وغيرها في الكثير من المحافظات الأخرى مثل السويس والإسماعيلية؛ ما يعكس الوعي بالهوية من قِبل الشباب يتمثل في استفادتهم مما نُقل إليهم من الغرب؛ بل ما اطلعوا عليه لدى الغرب وهو فن حديث قاموا بترجمته وفقاً للمجتمع المصري بقضاياه واحتياجاته.

وهو الأمر الذي تجلى وضوحاً في تخطي الشباب عوائق كثيرة واستمرارهم في تأسيس هذا الفن بمصر، من خلال قيام البعض منهم بعقد ورش خاصة بتعليم فن الاستاند أب للموهوبين؛ منها "المدرسة" والتي يقدمها وليد أبو المجد، و"الورشة" لعلي قنديل.

الإعلام:

وسنقوم بالتركيز على وسائل الإعلام الاجتماعية؛ لأنه كما قال ديفيد باكنغهام في كتابه تحرير "الشباب والهوية والإعلام الرقمي":
"في السنوات الأخيرة، والإعلام الرقمي والشبكات أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، والتي هي جزء من تغييرات واسعة النطاق؛ لكي ننخرط في إنتاج المعرفة والتواصل والتعبير الإبداعي".

عكس السنوات الأولى في مرحلة تطوير أجهزة الكمبيوتر ووسائل الإعلام التي تعتمد على الكمبيوتر والوسائط الرقمية هي الآن شائعة ومنتشرة، بعد أن اتُّخذت من قِبل مجموعة واسعة من الأفراد والمؤسسات في جميع مناحي الحياة.

وقد تخطت وسائل الإعلام الرقمية حدود الممارسة المهنية والرسمية. كما أن وسائل الإعلام الرقمية قد تم تبنيها من قِبل عدد كبير من السكان في العمل غير المؤسسي -freelance practice- ومن ضمن ذلك مشروعات الشباب.

لذلك، كان الإعلام الاجتماعي قناة ووسيلة معينة للشباب على متابعة؛ بل وحتى تطوير مساعيهم، والمثال الأبسط والأكثر انتشاراً هو عندما يكون لديك فكرة معينة وتحتاج إلى فريق للتنفيذ، يمكنك إضافة وصف تلخيصي للفكرة على صفحات الـFacebook، وتحميل صورة مثيرة للاهتمام مع شرح فكرتك على تطبيق Instagram أو حتى إرسال رسائل مباشرة لمن تجده مفيداً لفكرتك.
(يتبع)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.