المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مىّ عبدالغنى Headshot

اتلطشت بالقلم

تم النشر: تم التحديث:

(1)

أترجل من السيارة عند كلية الزراعة، أعدل وضع حقيبتي، وأسرع الخطى، أفكر أنني بحاجة للوصول للسكن سريعاً، فأمامي الكثير من المهام المطلوبة، هواء القاهرة خانق كالمعتاد، وكالعادة أسير على الرصيف لأتجنب زحام المارة.

أفتح حقيبتي لأجهز عملات معدنية لتذكرة المترو الذي تفصلني عنه أمتار، فتقع بعضها أرضاً، أنحني بهدوء لالتقاطها ثم.. يد تلمسني بقذارة (لا داعي أبداً لوصف الفعل)، أندفع للأمام مبتعدة وأنا أصرخ "إيه ده!".

تلاقت عيني مع عين المتحرش لجزء من الثانية، وكان يضحك بملء فمه، في بقية الثانية، صرخت بأعلى صوت - وصوتي عالٍ بطبيعته يمكنه إسماع شارع كبير مزدحم- " يا حيوان"، لم تكتمل الثانية التالية إلا وقد عاجلني بصفعة شديدة على خدي الأيسر، وقال: "اخرسي يا ******"، جرحت شفتي وأطلقت الدم فوراً وفقدت توازني للحظات.

كان رد الفعل الذي أبادر به في حادثة كتلك هو صفعة إن استطعت، والاستنجاد بالناس بحثاً عن رجل ما يوسعه ضرباً -حين أصر على الذهاب للقسم- فنخرج على الأقل منها وقد شفيت قصاصي، إلا أن ذاك الديوث كسر القواعد المتبعة في طائفته وتعدى عليّ ثانية قبل أن أنتصر لنفسي من الأولى.

(2)

المشهد مواجه لموقف سيارات أجرة ومقهى، وعلى بعد أمتار من محطة مترو رئيسية في ليلة من بدايات الصيف في التاسعة والنصف مساء، صرختي الأولى نبهت الجميع بما يكفي ليشهد أغلبهم على الحادثة، بدأ الناس بالاندفاع، وصل شابان أولاً وأنا أصرخ: "الحقوني.. حد يلحقني".

حاول أن يمد يده إليَّ ليصفعني من جديد وهو يسب بأقذر الألفاظ، كلها تتناولني وتتناول شرف أمي، وتدور حول "اخرسي يا **** أحسن ما أ****"، فحجبه الشابان وهما يهدّئانه "خلاص يا عم فيه إيه خلاص دي واحدة يا جدع".

دار رأسي مما أسمع، وارتفع صوتي إلى أقصاه "انتو بتعملوا إيه، واحدة إيه، ده مد إيده عليَّ وبعدها ضربني بالقلم، انتو شفتوه، انت بصيت لي وانا بضرّب".
- خلاص يا أبلة / خلاص يا عم انت امشي من هنا بقى الله يسهل لك.
- الكلب: " وهضربك تاني يا بنت الـ***** لو ما اتخرستيش".

كل هذا لم يتعد الدقيقة، وأنا ما زلت أنتظر واحداً من المتجمهرين أن يتدخل، "انتو سامعين وشايفين وهو بيضربني وبيمد إيده عليَّ، مفيش راجل هنا، حد يرد عليَّ بتتفرجوا على إيه".
- شاب يبدو أنه رفيق له كان يقف بجواره "اخرسي يا بت أحسن لك بقى وما تصدعيناش وامشي أحسن ما يتهور عليكي وما نعرفش نحوشه اخفي بقى".
- "اخرس يا حيوان أنا مش هسيب حقي أبداً، مش هسيبه غير في القسم طالما ما فيهاش راجل هنا".
- رجل عجوز: "قسم إيه يا أبلة اللي عايزة تروحيه اتكلي على الله بقى حصل خير معلش".
- "بس بقى عايزين نشوف أكل عيشنا ما قلنا لك خلاص حقك علينا يا ستي طيب نعملك إيه يعني!".
- أصر: "خطوتين قدام وفيه نقطة شرطة وألف ضابط في محطة المترو نتفاهم هناك، واجري على أكل عيشك".
- الكلب: "عايزة تروحي القسم يا قطة سيبوها وأنا أوديها وإحنا
نروقك هناك الحبايب أكيد هيوجبوا".
- المرافق له: "شكله ما كيفهاش يا عم عاملة لنا فيها خضرا
الشريفة".
- "خلاص طلعوا لي بطاقته وما لكوش دعوة بقى، طالما هو مش خايف كده، ولا انتو عايزين تتحركوا، هاتوا بطاقته من جيبه!".
- صمت.. ثم، أحد المشاهدين "والله له حق يطرملك سنانك بجاعورتك دي جايباها منين يخرب بيتك".

(3)


لا أحد من العشرين نفر حولي يتدخل، لا أحد يهتز لأي كلام، لا أحد يسوؤه منظري، أنا الفتاة الضئيلة التي لا تتخطى المتر ونصف إلا قليلاً ليس معي أي سلاح أدفع عن نفسي به، الرجل يوشك أن يضربني من جديد. الناس على الرصيف المقابل تشاهد ما يحدث، النساء تمصمص شفاهها وتسير. المارة يقفون من بعيد لثوانٍ ويتابعون.

كأني في مشهد شكسبيري يقصد به تجسيد سفالة قعر جهنم في لوحة، ما الذي أتى بي هنا؟ كنت في طريقي للمنزل، ولم أفعل شيئاً لأقع في هذا الماخور.

عدد الناس يزيد وصوتي يذهب رويداً، أشيح بيدي في إصرار لأستمر في المطالبة بحقي، ضغط دمي بلغ مداه، وبدأت ذراعي تبلغها القشعريرة، لا شيء أمام عيني غير حقي وكرامتي، ولا شيء في رأسي إلا يده على جسدي ووجهي.

(4)

- "مش هنتحرك من هنا غير على نقطة الشرطة وقفوا المهزلة دي حالاً، اللي شايف نفسه راجل يجره ع القسم حالاً، يا إما يتحرك ويسبني أتصرف".

- ألتفت حولي بحثاً عن أي ذكور آخرين، أنادي على الناس على الرصيف المقابل ومطلع الكوبري: "مفيش أي راجل هنا يلحقني، الحيوان ده ضربني واتحرش بي القذر وعايزين يمشوه، حد يندهلي ضابط من المترو".
- صوت خلفي: "يا عم دي باينها مجنونة".
- يضع أحدهم يده على كتفي ويجذبني من ناحية اليمين "امشي بقى من هنا أحسن لك ما تعمليلناش باللو".
- أجفل وأنا أدفعه بحقيبتي صارخة "ما تلمسنيش يا حيوان انت
بتعمل إيه يا حقير إوعى تلمسني".
- أصدر الشيء الواقف صوتاً من فمه وسب بلفظ مشابه، وأصر على الكلب أن يتحرك لتنتهي القصة.
- تحرك الكلب وهو يشير لي بإصبعه الوسطى ويقول (إنه هيجيبني تاني يعمل كذا لو شافني).

(في هذه اللحظة كل ما سيطر على رأسي وأنا في وسط هذه الدائرة الملعونة قصص مشاهد الاغتصاب الجماعي التي حرمتني النوم أياماً طوالاً ولم أتصور بداية أفضل لها من هذا).

(5)


- أمامي وجدت جنديين من أمن المترو - على أغلب الظن- جاءوا على الصوت، فناديتهم للتدخل سريعاً "الحقوني الحمد لله انكو جيتوا، الكلب ده اتحرش بي وضربني أدام كل الناس دي وكلهم شاهدين".
- لم يتحرك أحد منهما ولم يفتح فمه، "انتو سامعيني بقولك اتحرش بي وضربني بالقلم شايف وشي، انت واقف ليه امسكه".
- "أعمل إيه يا أبلة يعني أنا ذنبي إيه".
- لم يرد الاثنان وأدارا وجهيهما عني بتأفف، "انت سامعني، مفيش رجولة طيب بلاش إنك عسكري ما عندكوش ستات، جرالكم إيه!".
- "علي النعمة لو أختي صوتها كده لأصدغ لها ما تخرس، عايزة إيه يعني ما قلنا لك خلاص إيه اللي جرى يعني"، " يا عم يلا نمشي".
- قرر حامو حمى الشرف والوطن والدين الانصراف وتركي أهذي واصطحبه أحدهما من ذراعه بعيداً لينهي فقرة السهرة المزعجة اليوم.

(6)

ظل صوتي يلاحقهم وأنا أدعو عليهم بكل اللعنات في الدنيا وأفكر بأي شيء أفعله، ألا توجد حجارة أقذفه بها فأقتص لنفسي، لا شيء، ألا يوجد شيء أدفع به ما جرى، لا شيء.

عادت الأشياء للجلوس على المقهى ناظرين لي بغل شديد، وتحرك المتفرجون والضاحكون على الرصيف المقابل، وبقيت واقفة لا أعرف كيف أحمل قدمي وأغادر من هنا.

مر نصف ساعة من الجحيم، لا أعرف كيف عدت للمنزل، أمسكت دموعي ورجفة جسدي ما استطعت، احتفظت بوعيي بأعجوبة، وأخفيت وجهي لا أرفعه.

(7)

هل يهم أن أذكر أنني أرتدي عباءة وحجاباً يخفي نصف جسدي فوقها؟ هل يهم أن أقول إنني لا أخاف ولا يهتز لي صوت حين تأتي مغبة كرامتي وإنّي أؤمن بأن الحقوق تُتزع لا تُتسول؟

هل يهم أن أشرح كيف تحولت إلى فتاة مرتعبة غير آمنة بأي شكل، لا في نفسها ولا في جسدها ولا في كرامتها؟

ذكرت ما جرى لي بكل القهر والمذلة التي قد تحملها امرأة في الدنيا، فشاركتني الكثيرات قصصهن، كلنا تعرضنا للسب والضرب بأشكال مختلفة، والقاسم المشترك بين الجميع كان تواطؤ الناس، كأنها نسخ متكررة من فاقدي النخوة وتوزعت بخطة عبقرية في أنحاء العاصمة.

(8)

في الماضي كان يمكننا تعلم فن قتالي، أو تكتيك دفاع عن النفس يكفي لصد المعتدي للوهلة الأولى، معتمدين على تجمع الناس واستكمالهم المهمة.

شيء يحميك المهانة الأولى فحسب، عقاب المعتدي كان دوماً مسؤولية مجتمعية لفعل يهدم إحدى قيم المجتمع - أو يهدد ذكورتهم المعلنة على الأقل- كان بإمكانك أن تستثير وتر "مفيش رجالة هنا!"؛ ليذودوا عن انتفاخ ذواتهم لا عنك.

والآن ما العمل؟! أقسم أني أهذي بالسؤال لليوم الثالث، ما العمل؟! هل تذود عني أداة دفاع عن النفس أن يتكرر ما جرى؟ هل يمكنني أصلاً حمل أداة شبيهة وأنا أمر على تفتيش ثلاث وأربع مرات في اليوم؟ هل أشكل أنا وزجاجة من رذاذ الفلفل خطراً على الأمن القومي أكثر من أشباه الكلب المنتشرين؟ هل دفاعي عن نفسي من أعمال الإرهاب ليُمنع، واختفاء الأمن من الشوارع من دعائمه؟!

لا ليس ما أقول حلماً، تحققت أسوأ خيالاتنا في أحقر ديستوبيا ممكنة، هذه هي الخيارات الباقية لنختار من بينها أنا وبنات بلدي، إما اشتباك بالضرب مع المعتدي عليك بأداة ما ويديك العاريتين وأنت ونصيبك، وإما ابتلاع امتهان جسدك وكرامتك والهرب في صمت لتتجنبي العلقة والتلطيش!

(9)

لم يكن يوم الجمعة - الحادي والعشرون من أبريل/نيسان- جزءاً من مسرحية، ولم يكن هناك كومبارس سيقبض أجره في نهاية الليلة، كنت أنا هناك في المنتصف وحولي عشرون خنزيراً فاقدو العقل والروح، وبعض المسوخ، لم يسعفني عدهم متناثرين، هذه شفتي المقطوعة ووجهي المتورم وكتفي المصابة بكدمات، وبين جنبي بقايا كرامتي التي حاولت بما في من حياة أن أحفظها.

منذ أسابيع نظرت لهاشتاغ # أول_محاولة_تحرش_كان_عمري، وتذكرت الصبي الغريب الذي ختم على جسدي وأنا ابنة الخامسة في منزل جدتي، ولم يكن لدي الرغبة أن أشارك وجعاً كذلك على الملأ.

لست شجاعة ولا قوية ولا أدعي ما لا أملك، فقط أنا فتاة قليلة الحيلة -بلا شيء تستند إليه- غير حقها في قول "لا" وفي دفع الظلم، ولا رغبة لدي إلا في القصاص الذي يسمح لي أن أرفع رأسي متعالية على أية شبهة ومظنة انحطاط، متمسكة بعزة المرأة المُكرّمة العفيفة التي نحتفظ بها كجزء من هوياتنا الدائمة.

تعاطف مع حكايتي الكثيرون، وسبني الكثيرون كعرض مفصل للمرض الساكن صدور الناس، لقد شهدته في الشارع وملأ مني السمع والبصر والجسد، فلا أحسب أن نسخاً افتراضية منه قد تؤذي أكثر.

انتهت السردية وبقي ذلك المأتم والحريق في صدري أحمله إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، بيدي أو بيد أبّية تأبى المذلة والخزي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.