المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مىّ عبدالغنى Headshot

إرث الفراشات الحمراء

تم النشر: تم التحديث:

"1"
الثامنة صباحاً تحل.. وهي جاهزة لأن تستيقظ هذه المرة، منذ أمد طويل كانت الثامنة صباحاً كابوساً يومياً فيا لطيف الألطاف نحمد فضلك.

الطريق المحفوظ أصبح يمر بأفكارها لا هي التي تمر به، غابت عنه آيات القرآن والذكر وكل ما هو غير الغرق المطول في أشياء لا تعرف عنها سوى أنها تصل بها في النهاية لمقصدها دون شعور بالوقت.

عربة المترو التي امتلأت اليوم في مشهد نسيته منذ فترة، تضغطها كما تضغط النساء على جسدها الضئيل وتتألم بصمت، لا يليق به إلا أن يدير وجهه هو الآخر إلى زجاج النافذة ويتأمل في ظلام النفق والنور الخاطف في كل محطة.

"2"
الجامعة المحببة لسبب خفي، تدخلها لمرة جديدة بحثاً عن سبب تضع أمامها به الأوراق وتذاكر أي شيء. تصعد درجات السلم درجتين درجتين تماماً كما صعدتها أول مرة، وأمها تشجعها أن تصعد وحدها.

رغم ألم ساقها لا تغير من طريقة صعودها ولا مشيتها لتوقفه، أمها التي دفعتها دوماً إلى أن تتحمل مسؤولية نفسها والآخرين، لم تخبرها أن لا تجهد نفسها وأنه يمكن للسلم أن ينتظر صعودها درجة درجة، كما يمكن لها أن تكف عن الحلم في أفضل، وأن هناك طريقة دوماً في أن تعتاد وربما تلوي شفتها فحسب حين يعلنون عن قتيل جديد.

مر ست سنوات والآن وقت مناسب كي تتعلم الحبو فوق ما جرى، أن تصدق أنها مرت بجواره.. ثم تعبر الطريق، تنتظر -على الجهة المقابلة- ما يحملها بعيداً عن دمائهم على ناصية الشارع، ويغسل ما علق بيديها من إثم التجاوز.

"3"

الشوارع ممتلئة باللون الأحمر وصوت السيدة يفسر "النهارده تذكار العيال بتوع الأهلي اللي ماتوا في الاستاد". تنظر تحت قدميها هرباً من الصور، إلا أن سيدة تصعد المترو من محطة الأوبرا تجلس أمامها، ترتدي قميصاً جللته صورة "أنس الصغير" فتبدأ البكاء كطفلة نسيتها أمها في زحام السوق.

خمس سنوات قبلاً تعود وصديقتها إلى منزلها محتفلتين بهواء بحر إسكندرية الشتَوِي فتقول أم الصديقة إن شباباً أصيبوا في استاد بورسعيد. في الغرفة الأخرى ترى في الصورة جمعاً يعدو لسبب لا تفهمه، وهي تحدق في عناوين العالم الأزرق ترمق صبية، سال الأحمر من ثيابهم حتى سقى بشرتهم وكأس اللعبة. تسرع ترسل لكل منهم رسالة تسأله هل هو بخير؟ هل جرى له شيء؟ بالله أن يرد.

يطلع الصباح فتخرج للشارع مع رفقة، تهتف فيلتف الناس حول صوتها العالي وجسدها المختفي في الزحام. تحاول أن تشرح لهم... أن يفهموا، فتعجز عن شيء إلا الغضب، تعود فتبحث في أشيائها، تخرج شارة سوداء أعطاها إياها علاء المقُتول في مذبحة ديسمبر/كانون الأول مكتوباً عليها: "أنا الشهيد الجيّ".

تلفها حول ذراعها لا تخلعها إلا للنوم حتى راقبوا الأنفاس ومنعوا الكلام، تقول لرفقاء طريق الآلام: " قبل فبراير غير بعد فبراير، قبل بورسعيد غير بعد بورسعيد، الألتراس مش زينا مش هينسوا دمهم"، "ولا إحنا هننسى، بس هم مع بعض".

"4"

تعرف أنها بكت اليوم، ولله الحمد، فتقوم للغناء: "قلناها زمان للمستبد الحرية جاية لا بد"، تأتي الفرصة النادرة ليرتفع صوتها مع اللحن، وتزعق بوصفه "نظاماً غبياً"، إلا أن صوتها خرج هامساً يقاوم الهاجس اليومي: "أن أشباحاً ترتدي الأسود سوف تقتحم المكان حالاً وتقبض عليها مع الواقفين".

يقول الشاب على المسرح: "إحنا ليه بقينا بنحضر جنازات أصحابنا بدل ما نحضر أفراحهم"، تبكي للمرة الحادية عشرة بعد المرة الأولى التي أقسمت أنها لن تنتحب بعدها.

"ست سنوات عجزوا فيها جميعاً عن أن يربطهم شيء، يجتمعون خارج جنة الميدان، يعرف بعضهم البعض، يكتبون أرواحهم على حائط واحد".

يتسللون إلى عرض ما جرؤ أن يغني في مشهد "الأغاني المحرمة" فيقبل عليه المطرودون من الجنة ليستتروا بظلام المسرح ويرتفع صوتهم: "حرية".

"5"

السنوات ملأت فراغ شجارهم المستمر: "لأ مش هنسكت هنعمل حاجة في أمل، اللي عملناه مش هيروح هدر، دمهم حامي البلد دي"، "صدقي بقى كل حاجة خلصت، شوفي لك باب مصلحة من اللي جرى واعملي حاجة لنفسك معدش فيه حاجة لله وللوطن دلوقتي".

الكبير عرف كيف يمشي على جنازات أصحابه، وغياهب السجون التي غشيها، وزياراته الشهرية لمن يدفعون الضريبة عنهم، وحتى اعتراض جسده على إهماله إعاقته الجديدة.

مر خمس سنوات وما زالت تؤلمه كأنها تتلقى ضربات كعوب البنادق تواً.

"6"

تتحين الفرص لتلقى رفقة قديمة وتردد معهم: "إحنا كتير"، ثم تحني رأسها -في عادة جديدة- وتهمس: "هو فيه أمل نتجمع، في غيرنا فعلاً؟".
تسأل ثم تغلق نافذة السؤال، وتنتظر أمامها أن يفتحها سواها أحد، ومعه الإجابة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.