المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مىّ عبدالغنى Headshot

من المسرى إلى شامنا تطير الفراشات لربها

تم النشر: تم التحديث:

في سعة ما، فرغ العالم من كل شيء وملأه السؤال: "هل انتصر الطاغية؟". توضأت الثورة بدمائنا، وتعطرت بغاز السارين، صلت ركعتين على طرف الأموي قبل أن تسقط ملكيته، زُفت الثورة في درعا على أظافر مخلوعة لصبي، تجرأ على أن يكتب بها "يسقط الدكتور".. استشهدت في ليلة الثاني عشر بليل، ولم تفلح كل شفاعات الشهداء أن تستر عُرّينا.

لم أعلم أن سنواتي العشرين وقليل ستسع من الفجيعة بهذا القدر، رقية التي حكتها لنا رضوى في طنطوريتها عادت لترتدي الأسود في حلب وتجري وسط رفات كان لها نصيب من الستر بعد الذهاب، تحمل النساء أطفالهن وبقايا المتاع وينزحن.. هل علقن مفاتيح الدور في تغريبة عربية أخرى؟

كنت في الخامس الابتدائي حين سقطت بغداد، أمي تسامر الرجل، والتلفاز أسود تنيره قنابل عنقودية كل حين، تجاوزت مخيلتي مشاهد الأشلاء والأطلال واحتفظت بهذه اللوحة السوداء، اكتفت بأن تعلم أن هذا الضوء وسط العتمة حين سقط وأصدر الدوي البعيد، قد قتل أناساً تعجز أصابع يدي العشرة عن عدّهم.

كان يشغلني أمر واحد وهو مصير الصغيرة ذات الشعر البني والدمية مقطوعة الرأس، تعرفت عليها في إرسال نادر لقناة الجزيرة من بغداد، ولم أرَها بعد، أكنت أعلم أنها ذاهبة إلى تيه في الأرض أو مهتدى في السماء؟ أجل، لكن ترهات الأمل النابت في صدري وعنفوان البطولة المعقود على أعمارنا تركني فريسة لحلم الحرية.

أعلم أن جيلي شهد الاحتلال لمرّته الأولى ذاك الحين، واطمأن للربع جنيه الذي اقتطعه من مدخراته لتدفئة اللاجئين، حتى إنه كان لديه من الفخر أن يكتبه في اختبار الإنشاء.

كنت صغيرة ليس لي من الآثام إلا الكذبات البيضاء التي لم تقنع أمي أبداً، ولفشلها لم تكن تصلح ذنباً أتبرأ إلى الله منه في مقدمة الدعاء، أهدتني بغداد الدموع اللازمة لاكتمال إيماني، كالكبار صار لديَّ موتي أنتحبهم وشعور بالعجز أسأله أن يغفره لي، وتقصير في نصرة مسلمين إخوان سأسأل عنهم، احتفظ قلبي بالصغيرة ذات الدمية، وكلما استقبل وجه الله، يسأله التوفيق في اختبار ما أو هدية من الكتب، نادى ذلك الحزن عليها فانهمرت الدموع.

وقف الأستاذ تامر بقامته الطويلة وأمسك بقلمه يشير إلى الخريطة بانفعال، شطب الكلمة على ذلك الشريط الساحلي المجاور وأعاد كتابتها "دي فلسطين، ما تنسوش إن دي أرضكم أرض العرب"، كانت كلمة المسرى مثيرة بما يكفي كقصيدة تلقى، والدرة صغير وبريء بما يكفي لصورة الشهيد في تصورنا، كنا في حاجة إلى قضية نعدمها في مدينتنا الهادئة، وفي جيلنا الذي عاش رتابة الحكومات ذات العقود الثلاثة، وحين صحونا على اجتياح عمود الدخان، ارتدينا الحطات وعلقنا شارات "غزة في القلب" على صدورنا، عرفنا أن الحرية هي الفارق بين زمنَين.

بعد عقدين من النضج وانفتاح أبصارنا على روايات أخرى للتاريخ غير التي حوتها كتب المدرسة، صبرا تحولت من وجيعة إلى خزي، بعد معرفتنا أن الرصاص كان من الصهاينة والسكاكين كانت من العرب، حتى المذابح فقدت جلالها ولم تعُد توافق مقاييس الإيمان بها.

بدأ الرصاص في الثامن والعشرين وصار عندنا شهداء ومشاهد معارك وجداريات وفوارغ طلقات وشظايا اختارت أماكنها من الأجساد بحكمة "محدش أحسن من حد يا ولاد أبو إسماعيل، كله مقتول بحساب"، كان الدم كثيراً، لكن هل طلعت الشمس على لعنة أشد من أربعاء رابعة؟ هل بِتنا ليلة تحسبنا جميعاً وقلوبنا شتى كعشيّة مسجد الفتح؟ هل جرى ما جرى بحق؟ أمكنني وأقراني أن نكن شهودَ أكبرِ مذبحة في تاريخ البلاد الحديث بختم الأمم المتحدة، صار لنا كربلاء وحسينيات ومادة للاقتتال على الهوية، سياق تاريخي ملتهب يسمح للمجانين أمثالي برؤية نور في رواية الحقيقة للناس وباب خلفي للحرية.

"قصب هياكلنا وعروشنا قصب في كل مئذنة حاو ومغتصب تدعو لأندلس إن حوصرت حلب" كان قول درويش يتردد خلف كل عار بصوته الحزين، أعرف أن حلب ستحاصر حتى الموت بعد ألف قتيل من الياسمين. في الكلاسة والظاهر والزبدية ضاقت الأرض بما رحبت ولم تفلح رسائل الوداع ولا الصرخات ولا التصريح باستقبال الموت من تدفئة آخر أنفاسهم الباردة.

لسنا هناك.. دوري ليس في هذه القائمة، لي مهرب بعد، لا صغير من خلفي يقتلني عجزي أن أفديه، لا زوجة لي أستفتي في قتلها خشية السبي والذل.. ليست بلدي التي أحمل بقاياها في كيس بلاستيكي وأهجرها لعودة مجهولة، أجلس على الكرسي أحيل وجهي عن الصور وتنتحب صديقتي وهي تلهث وراء الخبر.. حلب سقطت.. خلاص.. مذبحة.. بشار.

الدموع ليست حيلة ولا شفاء، وصراخنا ليس طهراً ولا دنساً، لسنا عاجزين ولا مستضعفي الأرض، نحن لا شيء، طلقات فارغة للتنبيه، لا حلم لنا ولا أرض ولا صوت في سجن الوطن، عجزة تحت منتصف العمر ليس لهم حتى مروية من التاريخ، حقيقتنا في المذبحة نفسها تمحَى لحظة وقوعها، وتقام الأعراس على طرف المدينة.

أحدث أخي الأصغر فيسألني: ما الجديد في القتل؟ استنكره: "سوريا كده راحت خلاص!".
لا ألومه، فلم تكن الحرية حلمه يوماً فيفقده، كأي ثكلى لم أكف عن العويل حتى بدأ وجهي يتخدر بسريان حسبته أول الأمر شللاً، أيثبت هذا أني لم أمُت بعد؟ أينفي أن لى نصيباً من تكفين الموتى؟
عاد فكي إلى الحركة فأطبق بكلمتين "سقطت الشهباء".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.