المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود تقي Headshot

الإعلام الرقمي.. دلافين وحيتان!

تم النشر: تم التحديث:

قالوا منذ خمسينات القرن الماضي إن الإعلام كالرصاصة في الرأس من شدة وسرعة تأثيره، إلا أن تجارب السنوات التي تلت ذلك بينت أنه تطور إلى صاروخ عابر للقارات برأس نووي فتاك لا يبقي ولا يذر!

وعندما زعم "مارشال ماكلوهان" قبل نصف قرن أن العالم سيصبح قارة كونية صغيرة يعرف من في أدناها ما يدور في أعلاها، لعله لم يدر بخلده يومها أن العالم سيكون عبارة عن شاشة لمس صغيرة تجعل رسالتك إلى مَن يسكن في الطرف الآخر من الكرة الأرضية تصل إليه قبل أن يرتد إليك طرفك!

إنه "الإعلام الرقمي".. ذلك الساحر الذي يشكل تصوراتنا واتجاهاتنا وسلوكنا بأدواته السحرية المبهرة وتطبيقاته المدهشة، فيسلب العقول ويصنع واقعاً من الخيال.. نستقبل منه يومياً آلاف الرسائل الإعلامية فنعيش في محيط هائل من المعلومات والأفكار.. فتلقي بنا أمواجه بين دلافين مرحة لطيفة وأسماك قرش شرسة مخيفة.. وربما التقمتنا الحيتان في ظلمات الـ Dark Web!

تطور الجنس البشري فأصبحت هناك فصيلة دم جديدة اسمها: "أون لاين" تحتاج لهواء رقمي كي يغذيها.. فإذا انقطع، انقطعت أسباب الحياة!

ولأن هذه الدماء الرقمية (ضعيفة المناعة) فقد استشرت فيها "فيروسات ذكية" تعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك، وتستطيع التسلل إلى عقلك من حيث لا تحتسب، فهي تعرف متى تستيقظ ومتى تنام، مَن تحب ومَن تكره.. كيف تفكر وكيف ستفكر.. متى بدأت علاقة ما ومتى (وكيف) أنهيتها.. ما اهتماماتك الشخصية.. عاداتك الشرائية.. مستوى معيشتك.. كل شيء!

وما أن يخترق هذا "الفيروس الذكي" خزانة أسرارك حتى يصبح "قرينك الرقمي" الذي يوسوس لك بخير أو بشر.. فيحولك إلى كائن جديد.. تعبر عن مشاعرك بمجموعة من الرموز والتعبيرات Emotions، وتنعقد لقاءاتك مع المعارف والأصدقاء في Closed Groups وتتحول إعجاباتك إلى Likes ومناسباتك إلى Events وثرثرتك إلى Tweets وحماقاتك إلى Snaps..!

وفي هذا الواقع الافتراضي الجديد لم تعد مشاركة "أساليب الحياة" حكراً على المشاهير كما كانت من قبل، فلك منصتك الإعلامية الخاصة التي تنطلق منها إلى جمهورك العريض في شتى بقاع الأرض، وتبعث له برسائلك وانطباعاتك ونمط معيشتك في أي وقت وأي مكان حتى أكثر الأماكن خصوصية.

بصراحة؛ لم تحرمنا شبكات الإعلام الرقمي من شيء فحتى حوادث القتل أصبحت لايف!
إنه إعلام ذو وجهين؛ تارة يلقاك بوجه جميل مشرق يُبشر بحياة أكثر سهولة ورفاهية، وتارة أخرى ترى وجهاً قبيحاً عبوساً يعد عليك أنفاسك ويقتحم حياتك الخاصة بلا استئذان.. فلا تدري في الحالتين أهو عدو أم صديق؟!

فهل أصبح "الإعلام الرقمي" حلاً لكثير من المشكلات؟ أم أنه صار جزءاً من المشكلة؟ أم هو المشكلة كلها؟!

ومتى يصبح المستخدم أكثر ذكاء وقدرة على تمييز ما يتلقاه كل لحظة، قبل أن يدركه غبار الويب النووي، أو قبل أن تلتقمه حيتانه!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.