المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود شاهين Headshot

فراشة في فم الأسد

تم النشر: تم التحديث:

في ليالي الشتاء الباردة، ومع سكون الليل وهدوء الأجواء المحيطة بالمكان سمع الأطفال الصغار أصواتاً متصاعدة من شرفات بيتهم الذي يقطنون فيه مع أمهم المسكينة دون أب بعد تركه البلاد مضطراً، هرباً من العدالة الانتقائية التي تعيشها مصر، تصاعدت الأصوات، وتحول الهدوء الذي كان يخيم على المكان إلى فوران، الباب يدق بأيدٍ متوحشة، لا جواب،، وفجأة كُسر الباب، دار حوار سريع بين امرأة مهيضة الجناح وإنسان لم تلمسه الروح يوماً:

* س: فين جوزك؟
- ج: مش هنا.
* طيب يلّا تعالي معانا".

تعلق الأبناء في ستر الأم حتى لا يفارقوها كما فارق الأب البيت مجبراً، لكن العسكري الملعون أخذها من وسط الأطفال الأربعة الصغار، وبدأت القصة في المعاناة والإخفاء القسري الذي طالت أيامه، وساءت لياليه، وقبعت المرأة في السجن مع مجموعة من المجرمين والقاتلين، وتمر هذه الأيام بأمراض صحية شديدة، ويمنع عنها العلاج والمداواة كزميلاتها في الزنازين.

في إحدى المرات التي تشكر فيها الصدف، تعرفت على إحدى الفضليات الكبار، التي اتسمت بالخلق الرفيع، وتدعى "ريم"، ولأنها تفوقني عمراً فعاملتني كشقيقة صغرى، ولأنها كأي إنسان طبيعي تحلم أن تكون ناجحة في حياتها الممتلئة بالنجاحات والإخفاقات وقعت تحت أيدي نظام لا يفهم ماذا تعني كلمة امرأة، سقطت كعصفور وقع في فم أسد بعد رحلة من التعلم خارج مصر،

في يوم من الأيام بعد أيام من الغربة التي تسعى فيها إلى اللحاق بركب صناع الأفلام، عادت "ريم" من الولايات المتحدة الأميركية، التي فيها إحدى أكبر مدارس صناعة الأفلام في العالم، التقطها النظام المصري وهي تحمل معدات التصوير ووضعها قيد الإخفاء القسري أياماً وليالي وحدها، وكل الجرم الحقيقي في نظرهم أنها تحمل الكاميرا، غلفوا الجريمة الحقيقية من نظرهم بعدة جرائم وهمية وخرافية يخشى الإنسان من سماعها.

الحكايات التي مر بها نساء كالرجال لا تعد ولا تحصى، ومنذ 2013 سقط مؤشر الانتهاكات من هول الأحداث، وأصبح غير قادر على الإحصاء، وتجاوزت الانتهاكات بحقهن كما يحدث مع رجال أشداء، فصار الاعتقال في مصر أمراً عادياً، والأعجب أن تصبح المرأة في زمن "فرعون مصغر" مطاردة من رجال الأمن، وهو أمر لو خُضتموه عظيم، وصل الحال بجنود فرعون أن يقتلوا النساء في الشوارع ويصطادوهن كالفراش من الجامعات، ويجروا خلفهن في الشوارع ككلب مسعور يبحث عن فريسة.

النساء في مصر يحملن أعباء ثقيلة منذ بداية الحكم العسكري في مصر منتصف القرن الماضي، بداية من السجون في عهد العسكر قديماً "عبد الناصر" كزينب الغزالي وحميدة قطب وفاطمة عبد الهادي، إلى القتل العمد في زمن العسكر "السيسي" من بعد الثورة كسالي زهران وحبيبة وأسماء وسندس وهالة.

في حوزة هذا النظام أكثر من 45 امرأة مصرية قابعات في السجون لاختلافات سياسية مع نظام أهوج لا يرقب في النساء إلاً ولا ذمة، تلك الجرائم تسقط لها أنظمة، وتنزل فيها الرايات الحزبية، وترفع فيها الحدود على من اعتدى يوماً على امرأة مصرية مسلمة، أتنام تلك المرأة بين مجرمي المخدرات وساقطي الأخلاق في سجون لا يوجد فيها حقوق للحيوان قبل الإنسان؟! أتمرض النساء ولا يجدن من يرعاهن في مرضهن؟! أتسمع من تعرف بحيائها كيلاً من السباب والشتائم من عسكري جاهل أو ضابط مريض النفس في طابور السجن؟!

هؤلاء النساء مع تقادم الوقت سيصبح اعتيادياً على مسامع الناس أن فلانة تهرب من النظام، وفلانة اعتقلتها الشرطة أمس، نهاية بالبكاء قليلاً على سقوطها كشهيدة، وتنسى مع الزمن كغيرها، كثير من هن بين الجدران منسيات ومع مرور الأيام لا يذكرن إلا في المواسم البعيدة.

تلك المرأة العفيفة الشريفة أم الأطفال لا تستحق أن تفارق أبناءها، وهذه البنت الصغيرة وهي في عقدها الثاني عار أن تبيت بين حوائط السجن، وتلك المسنة يجب تكريمها بماء من ذهب على لوحات الشرف، والعار كل العار للصامتين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.