المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود شاهين Headshot

أمل من رحم الألم

تم النشر: تم التحديث:

أتعبت؟ أأعيتك الأيام؟ قلبك أنهك من المنعطفات التي مررت بها، نفسك أصبحت أقوى منك، عقلك تشتت من كثرة التفكير؟

حين يجن الليل على صديقي الذي اغترب مضطراً في ريعان شبابه يستحضر كل الآلام التي مر بها، ولأن الليل يعرف بالسكون فيبدأ في الحنين إلى الماضي والشوق إلى من يفتقد وذكرياته التي عاشها في أحضان الأيام، ويتذكر كل تجاربه بحلوها ومرها، بيد أن هذا الشوق أعيا صديقي بمرض - فقد الأمل في الأمد القصير - وأصبح يرى الدنيا أنها كسواد ليل حالك لا ينقشع له نهار، وأن النفق المظلم الذي أُرغم عليه لا يرى في نهايته أي نور.

ولا يجد في المستقبل إلا أياماً حالكة لا يشوبها أي أمل، وهو أيضاً في عين الواقع الأليم أصبح متعباً ومرهقاً من مشاق الحياة التي لا ترحم مثلي ومثله، والتي فرضت علينا أن نفقد جزءاً من شغفنا في العيش بنفس سوية وقلب نقي لم يشُبه مرض المغترب باللهث حول الدنيا؛ ليعيش كغيره، لكن هذه النظرة السوداوية تتنافى مع السنن الكونية التي أرساها الله سبحانه وتعالى في كونه كما شاء.

هذا الواقع الذي لا يحتاج إلى وصف إن استسلمنا له فلن نتحرك إلى اليوم التالي، والعيش في وحل الحزن العميق لن يدعك تتطلع إلى المستقبل الذي تخطه أنت بعملك اليوم.

ولهذا قال الإمام ابن القيم: لم يأت الحزن في القرآن إلا منهياً عنه، كما في قوله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا"، أو منفياً كقوله: "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن.. لذلك افرحوا واستبشروا وتفاءلوا وأحسنوا الظن بالله، وثقوا بما عند الله، وتوكلوا عليه وستجدون السعادة والرضا في كل حال.

وهو الذي استعاذ منه النبي حينما قال: "وأعوذ بك من الهم والحزن"؛ لأن هذا الحزن حين يملك القلوب يسلمها إلى حدود الشعور القهري الذي لا يملك الإنسان معه إلا العجز واليأس من رحمة الله التي وسعت كل شيء.

وبالحسابات الدنيوية فإن الأيام دول كما فرضت علينا مقاليد السياسة والتقلبات اليومية في الدول وحسابات العقل والمنطق، والدول العظمى سقطت في بضعة أيام كما سقط الاتحاد السوفييتي بعد أن كان يعد الإمبراطورية الأكبر في العالم يوماً، ما وسقطت قبله الدولة العثمانية بعدما حكمت نصف العالم عقوداً من الزمن.

إن الرسالات لا تحتاج إلا إلى عزم فتي وإرادة لا يتطرق إليها ضعف، ومن التاريخ الإسلامي القديم والحديث ما يمكن ضربه لنرى كيف مر المسلمون بأيام مثل ما نحن فيه، وفي بعض الأحيان أصعب وأحلك مما نحن عليه اليوم، وتلك الأيام لم ولن تكون هي نهاية الكون ولا آخر التاريخ، فالأيام كما تعلمنا دول، وعليك أن تتعامل مع الواقع كما هو وتقبله كما هو، وهذا لا يمنعنا من التحرك الحثيث في تغييره كما نريده نحن، لكن إن لم يتغير قريباً.. هل سنقف عن حدود الأمس ونعيش في وحل الماضي الأليم؟

فيقيناً سيتبدل الحال وستمر بك الأيام وستجد الأيام تجري منك كما يفر المرء من أسد يطارده في صحراء واسعة، وستجد نفسك واقفاً على حدود الأمس، لم يتغير فيك شيء، والعمر يجري بك ولن يتوقف، خصوصاً إن كنت مغترباً.

الخاسر الوحيد من هذا الشعور "أنت"؛ لأن هذا العالم لم ولن ينتظرك أن تلحق به، وحياتك ومعيشتك وأنت في حالة من العافية والأمن هي فرصة محروم منها غيرك.

فعِش كما شئت في وحل الماضي، ومارس حياتك في واقع أليم، وانظر بعين اليأس إلى المستقبل فلم ولن تجني شيئاً سوى نفس مضطربة وحياة مليئة بالألم، وقلب منهك من شدة الحزن.

هذا الكون له جانب آخر هو نفسك، هي روحك التي تسعك إن ضاقت بك السُبل، هو قلبك الذي إن أطفأت الدنيا كلها أنوارها.. فستبقى أنت مشعاً بالنور ما دام قلبك حياً، فحافظ عليهم ولا تنجر في غربتك إلى ما يسقط نقاءك الروحي ويملأها بالشوائب، واحذر من مهلكات النفس واتباع الهوى، واصنع لنفسك صحبة تجرك إلى الغد، ومن تمام الرجولة أن تكون رجلاً إذا ضاقت عليك الأحول، وأن تتحملها وتكون على قدرها، وحتماً سيتغير حالك وتتبدل الأيام، وهذا موعود ويقين.

ختاماً.. كتب الدكتور مصطفى محمود في كتابه "من أميركا إلى الشاطئ الآخر":
من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبداً، وسوف يرى الدنيا أياماً يداولها الله بين الناس، الأغنياء يصبحون فقراء، والفقراء ينقلبون أغنياء، وضعفاء الأمس أقوياء اليوم، وحكام الأمس مشردو اليوم، والقضاة متهمون، والغالبون مغلوبون، والفلك دوار، والحياة لا تقف.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.