المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود محمد هدهود Headshot

الحبّ والصداقة في مجتمع حديث

تم النشر: تم التحديث:

قبل عشر سنوات فحسب، لم يكن ممكنا أن تسمع شابا مصريا أو عربيا يتحدث عن "صاحبته" مستعملا ذلك التعبير، أو أن تسمع بنتا تتحدث عن "صاحبها". كان اللقاء مع ذلك التعبير في سينما هوليود فقط، وكان كفيلا بإثارة أزمة دلالة، إذ إنه يصف نوعا من العلاقات لم تكن تعرفه المجتمعات العربية، وهو "الصداقة الجنسية" بين شاب وفتاة.

لم يكن هذا النوع من العلاقة موجودا أصلا، بغض النظر عن شرعيته في منظومة التقاليد الاجتماعية، وكان ثمة أنواع أخرى من العلاقات الاجتماعية لا تحظى بشرعية كاملة، لكنها موجودة وتحظى بتفهم وربما بتعاطف وغض طرف من قبل كثيرين، كعلاقة الحب التي تعوق ظروف الشاب المادية أو غيرها من الأسباب الاجتماعية دون انتقالها "المنتظر" إلى نوع من العلاقة يحظى بشرعية اجتماعية كاملة، كالخطبة أو الزواج.

لا يفترض أننا بحاجة إلى التأكيد أن هذا إنما يتعلق بالطبقة الوسطى إجمالا، لا بالطبقة العليا التي غالبا ما يمثل حاضرها مستقبل الطبقة الوسطى.
لا تعني "الصداقة الجنسية" بالضرورة وجود ممارسة حميمة ما بين الطرفين، وإن كانت تفترضها في مرحلة ما، لكنها تختلف مع ذلك عن علاقة الحب الكلاسيكية في مراحلها الثلاث: نشأتها، وطبيعتها، وغايتها.

فمن جهة النشأة، لا تفترض الصداقة حبا مسبقا بين الطرفين قررا بعده الدخول في علاقة، بل تقوم الصداقة على رغبة كلا الطرفين في الدخول في علاقة من هذا النوع. ويكفي مع تلك الرغبة شعور بالتقارب بين الطرفين يمكن خوض العلاقة على أمل تطويره.

أما من جهة طبيعة العلاقة، فالصداقة تفترض ممارسة حميمة، وإن كانت لا تستلزمها كما ذكرنا، بخلاف علاقة الحب البريء كما نفهمها في مجتمعاتنا العربية، لكن حتى في غياب تلك الممارسة، فالصداقة تستلزم ممارسة اجتماعية أكثر من علاقة الحب البريء، ولو بالدرجة إن لم يكن بالنوع.

الصديقان في الصداقة الجنسية يفترض كل منهما بالآخر أن يحصل منه على درجة من الإشباع العاطفي أو الاجتماعي لا يفترضها المتحابان بالضرورة، وهذا أمر يرتبط بالنقطة الثالثة وهي الغاية من العلاقة. تتوخى علاقة الحب الكلاسيكية في المجتمعات العربية الزواج في أقرب وقت، بل إنها عبارة عن رغبة مؤجلة في الزواج أو الخطبة؛ أما الصداقة فقد تكون غاية في نفسها.

يبحث الطرفان في الصداقة الجنسية عن علاقة كانت تضمنها الجماعة الأهلية القديمة. كانت الجماعة الأهلية متمثلة في القبيلة، أو الحارة "المتخيلة" في التاريخ السوري كما تقدمها الدراما السورية (بغض النظر عن واقعيتها التاريخية)، تلعب دور الموفِّق (matchmaker) بين الجنسين.

وكانت فوق ذلك تضمن انصهار الفرد فيها مقابل سداد احتياجاته بما يضمن تماسكها. فالفرد في هذه المجتمعات كان ينشأ في عائلة ممتدة تمتهن عملا محددا، وهو غالبا لا يتلقى التعليم الحديث التخصصي في المؤسسات الحديثة، فيرث عن عائلته صنعتها أو أعمالها، وتقوم العائلة بتزويجه. وفي حال جاءت الزيجة غير موافقة لرغباته فإن بإمكانه أن يغيرها.

أما الزوجة فإن زوجها بالنسبة لها هو الرجل الوحيد في العالم. وفي حال تأزمت الأمور تماما، فإن التطليق يمكن أن يقع، لكنه لا يسبب تلك الوصمة الكبيرة التي نتخيلها اليوم في المجتمعات القديمة؛ بل نقرأ تاريخيا كيف كانت تتنقل المرأة بسلاسة بين عصم أكثر من رجل تجمعهم حتى علاقات قرابة.

يختلف الأمر في المجتمعات الحديثة، فالأسرة نووية، يذهب الابن فيها إلى التعليم بحثا عن مهنة تسمح له بإعالة نفسه. ويفترض أن يمتلك هذا الابنـ/ة المستقل ماديا بمرور الوقت قراره الحر أيضا، في اختيار شريكـ/ة حياته مثلا.

هذا الشريك نفسه لا يعود مرتبطا بالشبكة الاجتماعية للأسرة غالبا، بل يجده أيضا في تحركه الاجتماعي من الدراسة إلى العمل إلى محافل التعارف الاجتماعي الحديثة، كالأندية ومنظمات المجتمع المدني كالجمعيات الخيرية. يمكن للحب أن ينشأ في كلا النمطين من الاجتماع، ونجد ذلك في التراث الأدبي لمجتمعات قديمة وحديثة، لكن تنظيم علاقة الحب وتطويرها إلى علاقة زواج أو معاشرة أطول أمدا وأكثر استقرارا يجري تنظيمه بطرق مختلفة بحسب بنية المجتمع.

لقد كان الوعي بهذا التغير الاجتماعي واحدا من الأسس التي انبنى عليها علم الاجتماع الحديث، كما نرى في عنوان أحد الأعمال التأسيسية لعلم الاجتماع "الجماعة والمجتمع" (Gemienschaft and Gesellschaft) عام (1887) لرائد السوسيولوجيا الألمانية فرديناند تونيز.

فالثورة الصناعية والنزوح من الريف إلى المدن وغيرها من التغيرات التي صاحبت عملية التحديث، أدت إلى خلق نمط جديد من الاجتماع ومشكلات جديدة تتعلق بكل عنصر من عناصر المجتمع، وببنية العلاقات الاجتماعية التي تغيرت جذريا. كل ذلك جعل من التمييز بين هذين النمطين من الاجتماع الإنساني (الجماعة الوشائجية والمجتمع المكوَّن من أفراد مستقلين) منطلقا أساسيا لعلم الاجتماع الحديث.

تخبرنا هذه الملاحظة بأن طبيعة العلاقات الاجتماعية لا تتحدد فحسب في ضوء التفاعلات الثقافية ولا الخطابات الأخلاقية السائدة، وإنما أيضا في ضوء تطور البنى الاجتماعية الذي يدفعها تطور وسائل الإنتاج والتواصل وأنماط المعيشة المرتبطة بها. ويكوِّن هذا التطور متواليات اجتماعية تخلق مشاكل جديدة غير قائمة أو لا محل لها من الإعراب في اللحظة الراهنة، لكنها تنشأ بفعل التطور، وبفعل محاولاتنا للتعاطي مع هذا التطور.

لنستطرد في المثل الذي ضربناه سابقا، وهو تطور شكل العلاقة بين الجنسين وطبيعتها. ففي كتابه "نظام حقوق المرأة في الإسلام"، يقترح مرتضى مطهري (رحمه الله) الزواج المؤقت حلا لأزمة تعثر الزواج التقليدي، وبديلا في الوقت ذاته عن الصداقة المتحررة من أية قيود. وقد اقتُرح الحل نفسه خارج المنظومة الشيعية، كما شاهدنا في السينما المصرية ("الزواج على الطريقة الحديثة" إخراج صلاح كريم، 1968).

سيؤدي هذا الحل نفسه في ذات الوقت إلى مشكلات اجتماعية جديدة؛ فستنشأ مثلا بلا ريب الحاجة إلى الإجهاض، على الرغم من تطور وسائل منع الحمل، نتيجة تلك العلاقات الشبابية غير المستقرة، وسنشهد الجدل الديني/الأخلاقي والسياسي الذي يشهده الغرب إزاء مشروعيته، بعد أن كنا في معزل عنه.

لا يعني ذلك أن التطور الاجتماعي يؤدي إلى ما هو أفضل أو ما هو أسوأ، وإنما يخلق وقائع جديدة فحسب. وما يميز مقترح مطهري بالفعل -بغض النظر عن نجاعته- هو أنه ينطلق من إدراك هذا التطور وواقعيته، ويتفهم استحالة نفيه والانقلاب عليه. لكنه في الوقت نفسه يعي أننا إذ نتعاطى مع هذا الواقع نفسه فإننا نعيد تشكيله في مركب جديد يناسبنا، ولا ننفيه بالضرورة في المقابل. الحكمة التي ينبغي أن نعيها أخيرا هي أننا لا يمكن أن ندير ظهورنا للزمن، ولا ينبغي في المقابل أن نستسلم لإملاءاته.

- تم نشر هذه التدوينة في موقع مدونات الجزيرة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.