المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود محمد هدهود Headshot

تيار الوسطية: نصف قرن من البحث عن الذات

تم النشر: تم التحديث:

إذا اطلعت على مكتبة واحد من أولئك القراء الإسلاميين الذين تكوَّن وعيهم أو تطوَّر بين منتصف السبعينات ومنتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، أي هذا الجيل المعروف بجيل الصحوة الإسلامية، فستجدها غالبة مدججة بالأغلفة التي تحمل أسماء من قبيل: يوسف القرضاوي، ومحمد سليم العوا، ومحمد عمارة، وربما راشد الغنوشي وطارق البشري؛ تلك الأسماء التي عُرِفَت وعَرَّفت نفسها بتيار الوسطية الإسلامية.

لعل إسلاميَّاً اليوم من جيل الثورات العربية إذا اطلع على أي من هذه الأعمال لنظر إليها كمخلَّفات امتاز أصحابها بالسذاجة أو قصور النظر، وربما بالكفر مع شيوع موضة السلفية الجهادية.

تشكُّل الوسطية ومأزقها

تكوَّنت الوسطية الإسلامية من رافدين؛ أحدهما هو أولئك الشباب من جماعة الإخوان المسلمين الذين عاشوا محنتها الكبرى في الستينات، وقُدِّر لهم أن يتلقوا دراسة أكاديمية أفضل من رفاقهم في الجماعة، دفعتهم إلى الخروج من التقليد القطبي الذي قدمه سيد قطب والمودودي وعبد القادر عودة، وهو التقليد الذي هيمن على الحركة الإسلامية في الخمسينات والستينات.

من بين هؤلاء، يوسف القرضاوي الذي تتلمذ على زعماء مناهضة القطبية في الجماعة: محمد الغزالي وسيد سابق، واستطاع أن يطوِّر دراسته الأكاديمية واطلاعه الفقهي بما لم يحصِّله سواه من الأزهريين، وكذلك محمد سليم العوا الذي فرَّ عقب خروجه من المعتقل في منتصف الستينات إلى لندن؛ حيث حصل على دكتوراه الفلسفة في القانون المقارن عام 1972م، وطه جابر العلواني الذي فرَّ من العراق محكوماً بالإعدام بعد وصول البعث إلى السلطة ليحصل على الدكتوراه في الأزهر، ويمكن اعتبار توفيق الشاوي واحداً من هؤلاء ومن أصحاب القصص المشابهة.

أما الرافد الثاني فكان بعض المثقفين الصغار ذوو الميول الإسلامية الذين دفعهم صدع يونيو/حزيران 1967م الذي أصاب القومية واليسار إلى البحث في السردية الإسلامية عن حل نهضوي بديل، ومن بين هؤلاء محمد عمارة وطارق البشري، وربما راشد الغنوشي.

قدَّم محمد سليم العوا باكورة إنتاج هذا التقليد عام 1975م بصدور كتابه: "في النظام السياسي للدولة الإسلامية" الذي امتاز بنزوعه التحديثي الواضح إلى استيعاب القيم الحديثة في المنظومة الإسلامية، وهو النزوع الذي يتعارض جذرياً مع النزوع السلفي لدى التقليد القطبي الذي اعتبر كافة القيم الحديثة أنظمة جاهلية لا يجوز التعاطي معها.

لاحقاً أضاف راشد الغنوشي كتابه الأشهر: "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" عام 1989م والذي قدَّم له العوا كذلك، وقد أمدَّ القرضاوي الذي برز في الثمانينات باعتباره فقيهاً رصيناً وذكياً مهموماً بالتجديد، السند الفقهي اللازم في الأوساط الإسلامية لتنظيرات هؤلاء المثقفين.

كان من الممكن اعتبار هذه المدرسة امتداداً لروَّاد الإصلاح الديني والسياسي في عصر النهضة العربية إلا أن "هاجس الأسلمة" الذي طبع كتاباتهم التي كانت موجهة بالأساس للجمهور الإسلامية، والتي كان مطلوباً منها كذلك إثبات إمكانية استعادة حضور الدين إيجابياً في السياسة الحديثة، و"الواقعية الدستورية" التي أضفوها لذلك على المبادئ الإسلامية كالشورى، جعلتهم في نظر غير الإسلاميين امتداداً للتقليد القطبي مع فارق في الصِيَغ أو في الاستعداد للتوافق الشكلي فحسب مع القيم الحديثة، أما الإسلاميون فقد نظر كثير منهم بتوجس إلى تلك الأدبيات باعتبارها تلفيقاً أو تنازلاً يفتقد إلى ذلك التماسك وتلك الصلابة الأيديولوجية التي امتاز بها التقليد القطبي.

وحتى أولئك الذين رحَّبوا بتلك الأدبيات ظل تبني أكثرهم لقيمها الحديثة تبنٍّ غير ناضج، ليبقى مع الوسطيين في الحقيقة أقل القليل؛ إذ انتهوا كالُمنْبَتِّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى [1].

لقد اضطر الوسطيون عملياً إلى الاستسلام إلى سياسات جماعة الإخوان المسلمين؛ إذ كانت هي فحسب أقرب الحركات الإسلامية إليهم والتي يمكنهم التعويل عليها في غياب تنظيمات معبِّرة عنهم. وعلى الرغم من مواقفهم المتتالية المناقِضة لمواقف الجماعة، وعلى رأسها دعمهم المتضافر (العوا والقرضاوي وتوفيق الشاوي) لمشروع حزب الوسط (العوا 2006، ص 323 وما بعدها)، إلا أنهم كانوا عملياً أسرى لمواقف الجماعة التي كانت تفرض نفسها بقوتها الحركية وحضورها السياسي.

عانى الوسطيون "مأزق المراوحة" بين قطبين؛ إذ عجزوا عن "فرز" أنفسهم بينهما، وهو الأمر الذي يحتاج إلى نسج خطاب متقن يستطيع تمييز نفسه ليس فحسب بالسلب بين تيارين أو بالتوسط بينهما، ولكن بتبني مواقف خاصة إيجابية ضد الطرفين.

من الوسطية إلى الهاوية!

لم تعد أزمة تيار الوسطية اليوم "المراوحة" بين تيارات قوية، أو الخضوع لابتزاز الأمر الواقع نتيجة العجز عن "فرز" الذات وتنظيمها واجتذاب جماهير‌، بل صار تيار الوسطية اليوم مُحمَّلاً بمسؤولية فشل سياسات لم يتولَّ صنعها في الحقيقة، وصار مُنجَزه الأهم بمقاربة القيم والممارسة السياسية الحديثة والقضاء على "الاغتراب السياسي" الذي يعانيه الإسلاميون تجاه كل ما هو حديث في انتظار التأكد من شرعيته وإضفاء الديباجة الإسلامية اللائقة عليه، عُرضةً للضياع بسبب رِدَّة رومانتيكية مُتوقَّعة أعقبت الهزيمة، أو للدقة، واكبتها.

فمثلاً، يعترض الباحث السوري معتز الخطيب على ولع تيار الوسطية بفكرة "الدولة الإسلامية"، ليس لأنه بذلك يسقط في "هاجس الأسلمة" الذي يجعل المسلمين مُستسلِمين لاغترابهم عن الحديث؛ بل لأنه نبع بالعكس من الخروج من فكرة الخلافة (الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي، ص188). فالمقايسة على مفهوم الدولة الحديثة ذات السلطة والشعب والإقليم والسيادة، أوقعهم بحسب الخطيب في مشكلتين:

الأولى: أن تلك الاستعارة تقتضي التسليم بالتقسيم السياسي للبلاد الإسلامية الذي نتج من الإرث الاستعماري.

الثانية: أن تعريف الدولة من خلال تلك المركَّبات للدولة القُطْرِية لا يمكّنهم من إثبات التفاضل بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، نظراً إلى أن المبادئ الإسلامية تحظر عمليات الاصطفاء القومي والعرقي، كما تحظر عمليات التنقية العقدية.

ولا يشكل اعتراض الخطيب هنا خطوة إلى الأمام نحو دولة أمة المواطنة الحقوقية، بل رِدَّة تُهدِّد بخطرين:

الأوّل: تمهيد الطريق لرؤى سلفية جامدة ليس لديها استعداد لإعطاء غير المسلمين حقوق المواطنة ضمن دولة حقوق وواجبات، وهو الاتجاه الذي خطا فيه تيار الوسطية خطوات واسعة نحو تأكيد حقوق المواطنة لغير المسلم والمرأة.

الثاني: أنه يعمِّق من الاغتراب السياسي للإسلاميين وعزلتهم، وهو الخطأ ذاته الذي سبق أن سقط فيه القوميون الذين رفضوا التعاطي مع واقع الدولة القُطْرِية وأدى ذلك إلى تلاشيهم من الساحة السياسية بحسب عزمي بشارة.

يتعمد الخطيب الخلط بين أفكار العودة (الذي أسس لمبدأ الحاكمية قبل قطب نفسه باعتراف الخطيب ص 179) والمودودي، وبين اجتهادات العوا والغنوشي، رغم أنه يُكرِّر في كل مرة أن ثمة تعارضاً بينهما وأن اجتهاد العوا والغنوشي أقرب للصواب!

ولا يلفت الخطيب، ومن ورائه نُقَّاد الدولة الحديثة التي يُصرُّون على أن المواطنة فيها تقوم على الانتماء القومي في غفلة واضحة عن الواقع وعن التطور النظري لباراديم المواطنة في الغرب، إلى أن رفضهم للدولة الحديثة وإيمانهم بالحكم الإسلامي، الذي هو بالطبع، وعلى الضد من الدولة الحديثة، أممي وغير إقليمي، يؤسس لكيان مُقدَّس وشمولي (كما يُصرِّح المودودي الذي يرى أن الأنظمة الفاشية هي أشبه الأنظمة الحديثة بالنظام الإسلامي - نظرية الإسلام وهديه ص47) أضعاف ما عليه الدولة الحديثة.

وفي الحقيقة، فإن منظِّري الوسطية، وخاصة العوا والغنوشي[2] (الذي يستثنيه نقاد الوسطية بشكل متكرِّر من انتقاداتهم للإسلاميين، كما نرى لدى الخطيب وعزمي بشارة)، لم يكونوا مهووسين بأسلمة الحداثة بقدر ما كانا مهمومين بتأكيد إمكانية استيعاب الحديث إسلامياً دون إخلال، وإمكانية أن يكون الإسلام، في قراءتهم التي يحتل الإنسان وحريته وحاجاته المادية القلب منها، أفقا حضاريا بديلا للتنوير، لا بمعنى كونه ضدًّا له. وهو أمر يختلف عما انتقده عزمي بشارة لدى الغنوشي في تخوُّفه من أن يتحوَّل الإسلام حال استخدامه في شرعنة الديمقراطية إلى أيديولوجيا سلطة (بشارة 1994، ص65).

لقد خطا العوا والغنوشي خطوات واسعة في مسار الإصلاح الديني، لكنهما يحتاجان كما أي مفكر إلى من يواصل جهدهما؛ إذ لا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها؛ ولعلَّنا نغفر لهما ولغيرهما من مفكِّري الوسطية قصورهم النظري والعلمي، إذا ما رأينا خواء نُقَّادهم [3] المولعين بمجرد الانتقاد لا النقد [4].

ـــــــــــــــــــــ
- المصادر:

[1] يمكن النظر إلى عبد الرزاق السنهوري كسلف حقيقي ممكِن لتيار الوسطية، وهو كأغلبهم، رجل من خلفية قانونية، حاول أن يقدم صيغاً دستورية حديثة وذكية لاستيعاب القيم السياسية اليوم من جهة، وللحفاظ على تماسك الذات الحضارية الإسلامية من جهة أخرى، وقد اهتم به فعلاً اثنان من رموز تيار الوسطية، هما: محمد عمارة، وتوفيق الشاوي.

[2]
كان هاجس الأسلمة أقوى لدى القرضاوي بحكم خلفيته الفقهية.

[3] من المثير والمحزن في الوقت ذاته، أن قوائم مراجع دراسات تيار الوسطية ونُقَّادهم من الإسلاميين، تأتي خاوية على عروشها في مجالات أساسية لموضوع بحثهم كالنظرية السياسية، فهم في معزل عن الإنتاج الأكاديمي الهائل الذي تقدمه الجامعات الغربية.

[4] الانتقاد criticism هو اكتفاء بالإدانة دون أي التزام بتبني قيم بديلة واضحة، أما النقد critique فهو على الضد من ذلك.

- تم نشر هذه التدوينة في موقع إضاءات

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.