المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود خضر Headshot

عن العدالة الانتقامية في مصر!

تم النشر: تم التحديث:

أترون هذا الجالس هناك ؟ اقتربوا قليلًا، ولنستمع لما يقول:

قال الرجل الذي نال الشيبة من لحيتة ورأسه- مخاطبًا رئيس النيابة الكلية "أنا ابني طالب في بكالوريوس هندسة، الجيش قتله، وأخد جثته، ولما دورت عليه حبسوني أنا وابني التاني، مدرس بقالي 30 سنة متعملش فيَّ مذكرة واحدة، ولا حتى شكوى وتقييمي الوظيفي 98%، وفي الآخر اتحبس بتهم متلفقالي، يا أخي إنت اللي بيجري في عروقك ده إيه؟ مية وسخة"!
فيرد معالي المستشار في ثبات انفعالي يُحسدُ عليه ممزوجا بإبتسامة لزجة "وإيه كمان يا أستاذ"، فجعل المشهد أشبه ما يكون بجزء من رواية تجسدُ فترة من الحكم النازى، أو السوفييتي، أو أشبه بمهزلة كبرى، هي كذلك بالفعل، وصدر القرار في نهاية اليوم "استمرار 45 يوم".

ربما تعاونني الكلمات على الكتابة عما حدث لزميل دراستي في المرحلتين الإعدادية والثانوية فقد ألقيَّ القبض عليه بعد مسيرة تطالب بالحرية ويالها من مطلب.

أمسكَ به من يُسَمَّونَ بالمواطنين الشرفاء، والشرف منهم بريء، براءة العسكر من دماء النائب العام، وتم الاعتداء عليه قبل تسليمه للشرطة، وكانت إصاباته؛ "جروح قطعية قدرها 125 غرزة، وشرخين في الجمجمة، وقطع في أوتار اليد اليسرى، مما أفقده التحكم بها جزئيًا" وبعض الإصابات الأخرى لن أذكرها هنا.

وعندما عرض على النيابة العامة كانت إحدى التُّهم الموجهة إليه هي الشروع في القتل، لثلاثة أشخاص وبالبحث عن شخوصهم اتضح للجميع أنهم من أحدثو به تلك الإصابات.

يمكنني سرد عشرات أو مئات من هذه الوقائع حدثت لأناس أعرفهم معرفة وثيقة، مع نيابة الشعب ولكني ساكتفي بهاتين الواقعتين وبالمناسبة الواقعتين حقيقيتين وليستا ضرباً من الخيال.

كما أقول دومًا فإنني سأكرر هنا أن القاضي المصري معروف بتقربه من الحاكم منذ فجر التاريخ، وليس أدل على ذلك أكثر من قوله تعالي: في سورة "يوسف"

""ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين " وتفسير آيات هنا أي آيات برائته ولكنهم فضلوا التقرب للحاكم عوضًا عن تحقيق العدالة الموكلة إليهم وهذا قديمًا، أما حديثًا، فإن الساحة القضائية تشهد تقلبات كثيرة وتدخل في الحياة السياسية مما أفقدها عذريتها، التي لم تكتسبها إلا بعد الفتح الإسلامي لمصر وبدلا من أن تظل بكرًا فإنها حبلت بعدالة إنتقائية، بعد مضاجعتها للسلطة التنفيذية للدولة.

جدير بالذكر هنا أن القاعدة القانونية يشترط فيها العموم والتجريد، وهذا ما لا نراه حالياً وإنما نرى تحيزاً ضد فريق سياسي وإستماته في الدفاع عن منافسه.

فأصبحت السلطة القضائية ناراً في يد الدولة تحرق بها معارضيها عندما تفشلُ في مواجهتهم سياسيًا بأحكام تصل في مجملها بالسجن خمسه قرون من الزمان، أو ما شابه.

نُصب العدالة الذي كان دومًا أعمي أبصرالنور وياللأسف فإن كفيه قد اختلا، لمن معه المال، أو السلطة،
كلامي هنا طبعًا عن القضاء المدني، فقضاؤنا العسكري تعجز مئات المقالات عن وصف فساده.

يمكنني اختصار القضاء المصري في كلمة واحدة، وهي "التوريث" فإما أن القاضي يفعل خطاياه إرضاءًا للسلطة الحاكمة وحفاظًا على منصبه المنقول إليه بالوراثة، أو أن خطاياه لِتَتَمَ الموافقة على إدراج أبنائه في السلك القضائي، ما سوى ذلك هي أسباب عامة في جميع طوائف الشعب المصري، من رشوة وغيرها،ولكني آثرت الحديث عما تختص به السلطه القضائية،
فالصمت على المشكلة يؤدي لتفاقمها وأنا لا أملك من أمر القضاء شيئًا يُتِيحُ لي تطهيره، ولكني أثق تمام الثقة أن القضاء لن يزول فساده إلا بزوال الفساد الإداري والسياسي للدولة.

وبناءً عليه فإن أول آمالي لإصلاح منظومتنا القضائية وانتشالها من كونها عدالة انتقائية، وانتقامية أيضًا، إلى كونها عدالة حقيقية، بل وإصلاح كل فساد الجوانب الوظيفية في الدولة هو زوال حكم العسكر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.